انخفاض معدلات الأمية عالميًا إلى أقل من 5% لأول مرة في التاريخ

لمحة نيوز

انخفاض الأمية عالميًا: لحظة تاريخية أم رقم مضلل؟

في سابقة تاريخية، أعلنت منظمات دولية عن تراجع معدل الأمية عالميًا إلى أقل من 5% لأول مرة منذ بدء تسجيل المؤشرات. للوهلة الأولى، يبدو هذا الرقم انتصارًا للإنسانية، تتويجًا لعقود من الجهود في مكافحة الجهل ونشر التعليم الأساسي. لكن خلف هذا الرقم تكمن تفاصيل أكثر تعقيدًا مما يُعرض في التقارير، وتحديات لم تُحل بعد، رغم الصورة الوردية التي قد تُرسم في العناوين.

الأمية: أكثر من مجرد رقم

الأمية ليست فقط عدم القدرة على القراءة والكتابة، بل هي فقدان الإنسان لأبسط أدوات التواصل مع المعرفة. حين نتحدث عن الأمية، فإننا نقف أمام مفهومٍ اجتماعي، اقتصادي، ثقافي، وحتى سياسي. الأمية تهميش، وعجز، وانقطاع عن العصر. ولهذا فإن أي تراجع فيها، ولو طفيف، يُعتبر تقدمًا حقيقيًا.

في الخمسينيات، كانت أكثر من نصف البشرية أمّية. في التسعينيات، تجاوزت النسبة 20%. اليوم، ومع الوصول إلى أقل من 5%، نحن لا نتحدث فقط عن تعليم، بل عن تغيير جذري في طبيعة المجتمعات البشرية.

من الذي قاد التغيير؟

الفضل لا يعود إلى بلدٍ بعينه، بل إلى سلسلة من التحولات العالمية:

منظمات مثل اليونسكو واليونيسيف لعبت دورًا محوريًا في دعم البرامج التعليمية

في الدول الفقيرة.

حملات محو الأمية في أميركا اللاتينية، أفريقيا، جنوب شرق آسيا والهند غيرت المعادلات خلال العقود الأخيرة.

دول مثل الصين والهند، بسبب الكثافة السكانية الهائلة، كان لها تأثير مضاعف. كل تقدم فيها يعني تغيرًا ملحوظًا في الإحصائيات العالمية.

التحول الرقمي في بلدان كثيرة، حتى الفقيرة منها، ساعد على إيصال التعليم الأساسي لأعداد لم يكن بالإمكان الوصول إليها سابقًا.

التكنولوجيا: أداة الحسم

كان لـالإنترنت، والهواتف الذكية، والتعليم عن بُعد أثر لا يمكن تجاهله. تطبيقات بسيطة على هاتف ذكي مكنّت أطفالًا وكبارًا من تعلّم القراءة والكتابة في أماكن لم تصلها مدرسة قط.

الذكاء الاصطناعي أيضًا بدأ يُستخدم في برامج تعليمية تفاعلية، تُكيف المحتوى حسب قدرات المتعلم، ما جعل التعليم أكثر فعالية وأقل كلفة.

المرأة والتعليم: نصف المعركة

في معظم الدول التي كانت تعاني من أمية مرتفعة، كانت النساء هن الأكثر تضررًا. النسبة العالمية للأمية بين الإناث كانت تصل إلى 70% من مجمل الأميين في بعض الفترات. اليوم، ساهمت برامج موجهة خصيصًا لتعليم النساء والفتيات في خفض المعدلات بشكل كبير.

تمكين المرأة بالتعليم لا يعني فقط تقليص الأمية، بل يخلق أثرًا مضاعفًا، لأن المرأة

المتعلمة تُعلّم أبناءها وتؤثر في أسرتها ومجتمعها.

هل الرقم دقيق؟ هل يمكن الوثوق بالإحصائيات؟

هنا نصل إلى النقطة الحساسة. التقديرات التي تُقدمها المنظمات الكبرى تعتمد غالبًا على تصنيفات مختلفة للأمية، منها:

من لا يقرأ أو يكتب مطلقًا.

من يعرف الأحرف ولكن لا يستطيع قراءة نص بسيط.

من لا يستطيع تعبئة استمارة حكومية أو قراءة دواء.

بعض الدول تعتمد تعريفًا ضيقًا للأمية، ما يُخفض النسب على الورق. لكن عمليًا، الملايين لا يزالون عاجزين عن التعامل مع نص مكتوب أو معلومات أساسية.

بالتالي، انخفاض النسبة إلى أقل من 5% لا يعني اختفاء المشكلة، بل تغيّر في شكلها وموقعها.

الفجوات ما زالت موجودة

رغم التقدم، لا يمكن إنكار وجود فجوات صارخة:

أفريقيا جنوب الصحراء ما زالت تضم أعلى نسبة أميين، خاصة في المناطق الريفية.

النزاعات المسلحة والفقر واللجوء كلها عوامل تُعيد إنتاج الأمية في مناطق متعددة.

الأمية الرقمية تظهر بقوة في الدول النامية: نعم، الشخص قد يعرف القراءة والكتابة، لكن لا يجيد التعامل مع بيئة إلكترونية، وهو شكل حديث من الجهل.

المعرفة المجتزأة: أمية من نوع جديد

في ظل هذا العالم المشبع بالمعلومات، هناك من يعتبر أن الأمية اليوم لم تعد تقاس فقط بقدرة الإنسان

على القراءة، بل:

هل يفهم ما يقرأ؟

هل يستطيع التمييز بين المعلومة الصحيحة والمضللة؟

هل يفهم اللغة العلمية؟

إذًا، ما يُسمى بـ"الأمية الوظيفية" هو الخطر القادم. أناس يملكون أدوات القراءة، لكن لا يملكون أدوات الفهم النقدي.

الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية

تقليص الأمية لا يؤثر فقط على جودة حياة الأفراد، بل ينعكس على:

رفع إنتاجية العمل.

زيادة المشاركة السياسية.

تحسن مؤشرات الصحة والولادة.

انخفاض معدلات الجريمة.

المجتمع المتعلم يتطور على جميع الأصعدة. وكل دولار يُستثمر في التعليم الأساسي، يعود بعائد اقتصادي يصل إلى 10 أضعاف خلال عقد.

ما الذي يجب فعله الآن؟

التحدي الأكبر اليوم ليس خفض الأمية أكثر، بل:

منع عودتها بسبب الفقر أو الحروب أو الإهمال.

تحديث التعريفات لتشمل الأمية الرقمية والثقافية.

توسيع نطاق التعليم المجاني والإلزامي في الدول الفقيرة.

مراقبة جودة التعليم، لا كميته فقط.

العالم بحاجة إلى منظومة تعليمية تواكب العصر، لا مجرد شهادات مدرسية فارغة.

هل انتهت معركة الأمية؟

انخفاض معدل الأمية إلى أقل من 5% عالميًا حدث تاريخي. لكنه لا يعني أننا انتصرنا بالكامل. المعركة لا تزال مستمرة، لكن ميدانها تغير. لم نعد نحارب فقط

الجهل الكلاسيكي، بل نواجه الآن أمية رقمية، أمية إعلامية، وأمية تحليلية.

الوعي الحقيقي يبدأ عندما ندرك أن "القراءة" لا تعني الفهم، وأن الشهادة ليست نهاية الطريق، بل بدايته.

تم نسخ الرابط