فيضان زانكلين العملاق: هذا ما فعله أكبر فيضان في تاريخ الأرض

لمحة نيوز

فيضان زانكلين العملاق هو الحدث الجيولوجي الذي أعاد ملء بحر المتوسط قبل نحو 5.33 مليون سنة بعد العصر الميكوني، وأنهى أزمة التمليح الميسيني بحدوث تدفق هائل من مياه المحيط الأطلسي عبر مضيق جبل طارق، حيث وصلت معدلات تصريف المياه إلى أكثر من 100 مليون متر مكعب في الثانية، بما يعادل ألف ضعف نهر الأمازون، واستمرت العملية بين عدة أشهر إلى عامين تقريبًا​.. ترك هذا الفيضان أعمق الأثر على تضاريس حوض المتوسط، وشكل نموذجًا لكبرى الفيضانات في تاريخ الأرض من حيث الحجم والشدة، مما يجعله حَدَثًا فريدًا في سجل الكوارث الجيولوجية​.

مقدمة

قبل الفيضان، شهدت المنطقة ما يعرف بأزمة التمليح الميسيني (Messinian Salinity Crisis)، حيث انقطع اتصال البحر المتوسط بالمحيط الأطلسي وانخفض مستوى مياهه إلى أكثر من كيلومتر ونصف بفعل التبخر المفرط، ما أدى إلى ترسب طبقات سميكة من الملح والجبس على قاع الحوض​. استمر هذا الجفاف المائي بين حوالي 5.97 و5.33 مليون سنة قبل الميلاد، قبل أن تتجمع الظروف لتفتح مجددًا قناة تواصل مغمورة بين البحر والمحيط عبر مضيق جبل طارق، ما أطلق فيضانًا يعد الأكبر على الإطلاق​.

أسباب الفيضان

التحولات التكتونية

يشير

الدارسون إلى أن هبوطًا تكتونيًا في منطقة مضيق جبل طارق ربما خفّض حاجز الصفير (sill) حتى انكسر في النهاية، ممهّدًا الطريق لاندفاع مياه المحيط إلى حوض المتوسط​. ورغم الجدل حول دور التغيرات في مستوى سطح البحر مقابل فاعلية التحركات التكتونية، تتفق النماذج على أن مزيجًا من هذين العاملين هو الذي أدى إلى اختراق الحاجز وفتح القناة​.

التقاطح السريع للمستوى المائي

مع فتح القناة، تسببت الفجوة الهائلة بين مستوى المياه في المحيط والمستوى المنخفض في الحوض بتنفيذ تدفق مضطرب وشديد السرعة، يُقدّر في بعض الدراسات بأن الارتفاع في مستوى المياه داخل المتوسط قد تجاوز 10 أمتار يوميًا في أقصى فترات الفيضان​.

مجريات الفيضان

تشكّل قناة الانجراف

خلال الفيضانات، حفرت المياه قناة متدرجة بدلاً من شلال عالٍ؛ إذ نزلت المياه من منسوب أعلى بأكثر من كيلومتر إلى حوض المتوسط، وشكلت قناة ذات شكل “U” في بدايتها قرب حاجز جبل طارق، امتدت حتى بحر ألبرن، قبل التفرّع باتجاه مضيق صقلية الذي وصل بين الحوضين الغربي والشرقي​.

أعلى معدلات التصريف

قدّر بعض الباحثين ذروة التصريف بنحو 100 سيفردروب (Sverdrups)، أي 100 مليون متر مكعب في الثانية،

وهو ما يفوق ألف ضعف معدل الأمازون الحالي، وسرعات تدفق وصلت إلى 32 مترًا في الثانية، ما يعادل نحو 115 كلم/س، وهي سرعات قادرة على اقتلاع الصخور وتحطيمها ونقلها لمسافات بعيدة 

مدة الفيضان

تباينت تقديرات المدة بين نماذج المحاكاة، فأشارت بعضها إلى أن الفيضان استمر بضعة أشهر، فيما رجح نموذج آخر مدة تصل إلى عامين في أسوأ السيناريوهات، قبل أن يستقر مستوى المياه إلى منسوب البحر الأطلسي ويصبح التوازن قائمًا​.

الأثر الجيولوجي

إعادة تشكيل القاع

حفرت قوة الفيضان العنيفة آلاف القنوات والحفر وجرفت حوالي ألف كيلومتر مكعب من الصخور، ثم أسفرت الرواسب عن ظهور تراكمات رملية ضخمة وسُرية أرضية في منطقتي مضيق جبل طارق وصقلية، وما تزال معالم هذه الرواسب واضحة من خلال بيانات المسح المائي ورادارات الزلازل​

نهاية عصر الملح

بمجرد اكتمال ملء المتوسط، تلاشى التباين الشديد في الملوحة وبدأ البحر في استعادة نظامه البيئي البحري المعتاد، مع عودة التيارات الأطلنطية والطبقات المائية الموزّعة بشكل طبيعي، ما أطلق عصر الزانكلين (Zanclean) في منتصف العصر الجيولوجي البليوسين​.

الأدلة والدراسات

البصمات الصخرية

عثر فريق

هولندي–إسباني–بريطاني على رواسب رملية تحمل آثار تيارات وموجات قوية جنوب صقلية، حيث تتغير حبيبات الرمل كل بضعة سنتيمترات بشكل يدلّ على تيارات عاتية باتجاه الشمال الشرقي، وهي دليل مادي مباشر على عمق وسرعة الفيضان.

البيانات الزلزالية والنمذجة الرقمية

مجموعة أخرى من الباحثين استخدمت بيانات الانعكاس الزلزالي لرصد قناة ذات شكل “W” بالقرب من صقلية تربط إلى وادي نوتو تحت المياه، كما وظّفوا نماذج حاسوبية لمحاكاة الفيضان، فأظهرت أن المياه تشكّل دوامات عاتية وتنقل كميات هائلة من الرواسب باتجاه شرق المتوسط بسرعة متصاعدة​

أهمية الحدث في تاريخ الأرض

يمثل فيضان زانكلين العملاق بمثابة أضخم فيضان مسجّل في التاريخ الحديث للأرض، ليس لحجمه فقط، بل لسرعته المذهلة وقدرته على إعادة تشكيل تضاريس بحر كامل في زمن جيولوجي قصير نسبيًا. يقدّم هذا الحدث نموذجًا لدراسة الفيضانات الخارقة وتأثيرها على المناخ والبيئات البحرية، كما يثري فهمنا لقوى الأرض التكتونية والمائية​.

في الختام، يظل فيضان زانكلين العملاق ذكرى جيولوجية تُظهر مدى تداخل قوى التكتونيات وسيرورة المياه في رسم معالم كوكبنا، وهو أحد الدروس الحية على أن الأرض يمكنها

أن تتغير جذريًا في لحظات جيولوجية تُحسب بألوف السنين لا بعشرات الملايين منها

تم نسخ الرابط