انتقادات لمعايير النجاح الجديدة: هل أصبح التريند بديلاً عن الموهبة؟

لمحة نيوز

في زمن السوشيال ميديا والانتشار الرقمي السريع، تغيّرت معايير النجاح الفني والثقافي بشكل ملحوظ، وأصبحت المقاييس التي تحكم الشهرة والانتشار أكثر ارتباطًا بقدرة المحتوى على التحوّل إلى "تريند"، بدلاً من قيمته الفنية أو جودته الحقيقية. هذه الظاهرة باتت تثير جدلاً واسعاً بين صُنّاع الفن وجمهوره، خاصة مع صعود أسماء غير متوقعة إلى الواجهة، فقط لأنها تحولت إلى ظاهرة مؤقتة، بينما يختفي الكثير من أصحاب الموهبة الحقيقية في الظل.

التريند... لعبة الأرقام لا الإبداع

اليوم، يكفي فيديو قصير، أغنية سريعة، أو حتى تحدٍ غريب على تطبيق مثل "تيك توك" أو "انستغرام" كي يصنع نجومية شخص بين ليلة وضحاها، بصرف النظر عن ما إذا كان يمتلك موهبة حقيقية أو خلفية فنية تدعمه. هذه التحولات السريعة وضعت مفهوم النجاح تحت المجهر، وأثارت تساؤلات: هل تحكم الساحة الفنية اليوم معايير الجودة أم قواعد الانتشار؟ وهل يمكن اعتبار التريند مقياساً موضوعياً لقيمة العمل أو الشخص؟

بعض الفنانين المخضرمين ينظرون إلى المشهد الحالي بحذر، معتبرين أن النجاح اللحظي، القائم على التريند،

ظاهرة زائفة لا تصمد أمام اختبار الزمن، بل تخلق نوعًا من "النجومية الفورية" التي سرعان ما تزول بمجرد ظهور محتوى جديد يسرق الأضواء.

من الجودة إلى الجاذبية الرقمية

في السابق، كان النجاح يقترن بالموهبة والتدريب والجهد المستمر، أما اليوم فالأمر يبدو أشبه بسباق لفت الأنظار. هناك من يطرح أغنية مكررة الفكرة لكنها مرفقة بفيديو راقص بسيط، سرعان ما تنتشر عبر المنصات وتتحول إلى "تريند"، رغم افتقارها لأي عمق موسيقي أو إبداع فني.

حتى في السينما، أصبحت بعض الأعمال تتصدر شباك التذاكر أو قوائم المشاهدة الرقمية بسبب ضجة تسويقية أو حملة تحديات على المنصات الاجتماعية، في حين أن تقييمات النقاد غالبًا ما تشير إلى جودة محدودة وضعف في المحتوى.

هذا التحوّل في آليات التقييم أثّر ليس فقط على الذوق الفني للجمهور، بل أيضًا على آلية عمل الفنانين، حيث أصبح كثيرون يبحثون عن "خلطة التريند" قبل التفكير في تقديم عمل يحمل قيمة أو رسالة.

هل الجمهور يتحمّل جزءاً من المسؤولية؟

من السهل إلقاء اللوم على المنصات الرقمية أو شركات الإنتاج، لكن الحقيقة أن الجمهور

هو جزء أساسي من هذه المعادلة. في زمن "اللايك" و"المشاركة"، أصبح المستخدمون أنفسهم يشاركون دون وعي في ضخ المحتوى السطحي وتكريسه كمرجع ثقافي.

كلما زاد الإقبال على عمل ضعيف المحتوى لمجرد أنه "انتشر"، كلما ساهم ذلك في ترسيخ فكرة أن النجاح مرهون بالتفاعل اللحظي، وليس بالاستمرارية أو الجودة. هذا السلوك الجماهيري، وإن كان يبدو عفوياً، إلا أنه يُعيد تشكيل خريطة الذوق العام ببطء لكنه بثبات.

معايير مزدوجة في تقييم النجاح

من الملاحظ أيضاً أن بعض المؤسسات الإعلامية أصبحت تعتمد معايير مزدوجة في تقييم النجاح. فعندما يتصدر اسم فنان أو عمل ما الترند، يتم تقديمه تلقائياً كـ "نجم المرحلة" أو "العمل الأكثر تأثيراً"، رغم أن هذا النجاح قد يكون مؤقتاً وخالياً من أي قيمة فنية حقيقية.

هذه المعايير المختلة تخلق فجوة بين الفنانين الحقيقيين الباحثين عن تطوير موهبتهم وبين من يسعون لصيد الفرص العشوائية في بحر التريند. النتيجة؟ تراجع معايير الجودة، وصعوبة بروز أعمال تحمل قيمة فنية حقيقية وسط الضجيج الرقمي المتواصل.

الفن في مواجهة الزمن... والموضة العابرة

يبقى

السؤال الأهم: هل يملك التريند قدرة حقيقية على تحديد من يستحق البقاء؟ الإجابة ربما تتضح بمرور الوقت، إذ أن الفن الأصيل يمتلك قدرة نادرة على مقاومة النسيان، في حين أن التريند، مهما كان براقاً، يبهت بمجرد مرور لحظة انتشاره.

تاريخ الفن يثبت أن كثيراً من الأعمال التي لم تنل اهتماماً لحظياً عند إصدارها أصبحت لاحقًا مرجعاً أساسياً في الثقافة الفنية، في حين اختفى عشرات "التريندات" وكأنها لم تكن. الفرق الجوهري يكمن في قدرة العمل على لمس وجدان الجمهور بعمق، لا عبر إثارة انتباهه بشكل سريع وسطحي.

خاتمة: بين التريند والموهبة... يبقى الحكم للتاريخ

في عصر الرقمنة والانبهار بالأرقام، يصعب أحياناً التفريق بين النجاح الحقيقي ونجاح التريند. لكن في النهاية، يبقى التاريخ هو الحكم الأصدق. الموهبة الحقيقية، وإن تأخرت في الظهور، تفرض نفسها بمرور الزمن، بينما يظل التريند مجرد موجة مؤقتة تنتهي مع أول ضجة جديدة.

ربما التحدي اليوم لا يقع فقط على الفنانين، بل أيضاً على الجمهور، الذي أصبح بحاجة لإعادة النظر في ما يستحق الدعم والتقدير، وما هو مجرد "هبة"

سرعان ما ستتلاشى مع الزمن.

تم نسخ الرابط