لماذا تُرش الجسور الهولندية بالماء

لمحة نيوز

تُعتبر عملية رشّ الجسور بالمياه في هولندا جزءًا من استراتيجيات صيانة مبتكرة تتيح للمسؤولين مواجهة تحديات الطقس القاسي على مدار العام، سواءً من حيث درجات الحرارة المرتفعة صيفًا أو مخاطر التجمد وجليد الشوارع شتاءً. تتوزع هذه العمليات بين تبريد هياكل الجسور المتحركة لتجنُّب الاتساع الحراري المفرط، وبين مكافحة تكون الجليد عبر رشّ محلول ملحي (Brine) على الأسطح قبل حدوث الصقيع، وذلك بهدف ضمان انسيابية حركة المرور البحرية والبرية والحفاظ على سلامة البنية التحتية.

تبريد الجسور في الصيف

التوسع الحراري وأثره

تمتاز الجسور القابلة للتحريك في المدن الهولندية، مثل أمستردام، بأنها مبنية من الفولاذ الذي يتوسّع بزيادة درجات الحرارة نتيجة التعرض المباشر لأشعة الشمس. يمكن أن يؤدي ارتفاع درجات الحرارة فوق 25 °C إلى اتساع المفاصل الفولاذية من 8–10 مم إلى نحو 14 مم، ما يعرقل آلية الفتح والإغلاق ويُسبّب تعليق الجسر بنصفه المفتوح أو إغلاقه جزئيًا، مع ما يترتب على ذلك من تعطيل الملاحة البحرية وتأخير حركة المركبات والدراجات ﹣ الأمر الذي دفع بلدية أمستردام لاعتماد تدابير تبريد عاجلة من خلال رشّ الجسور بالمياه الباردة عند تجاوز حرارة الجو 22–23 °C

وحتى 33 °C ﹒

تقنية الرش وتبريد الفولاذ

يتم ضخّ مياه القنوات المحيطة بالجسور إلى فوهات مخصصة تُوجَّه نحو الهياكل المعدنية أثناء ذروة الحر لخفض درجة حرارة الفولاذ سريعًا واستعادة أبعاده الأصلية، مما يضمن انسيابية الحركة الميكانيكية للمفاصل ويقلل من احتكاكها وضغطها الحراري ﹒

أمثلة على التصرفات المحلية

لاحظ السكان الفرق عند مرور فرق الصيانة لرشّ جسرَي Zeilstraat وBloemstraat وغيرها من الجسور الرئيسية في أمستردام، حيث أسهم التبريد الدوري في إبقاء الطرق المائية مفتوحة للقوارب والشحن خلال موجات الحر الشديدة، وإن كان البعض أشار إلى أن أرضية الجسور قد تبدو زلقة بعد انتهاء الرش، مما يستلزم توخي الحذر من قائدي الدراجات الهوائية 

مكافحة التجمّد في الشتاء

الرش المسبق بالمحاليل الملحية (Anti‑icing)

قبل حلول موجات الصقيع والثلوج، تُطبق السلطات الهولندية محلول “Brine” (محلول ملحي مائي) على سطح الجسور والطرق المعلّقة، وهي تقنية تُعرف بالـAnti‑icing، حيث يُرشّ المحلول قبل حدوث التجمد لمنع التصاق الثلج والبلورات بالجسر، بدلاً من الترشير اللاحق بالملح الصلب بعد تكون الجليد 

محلول Brine وتطبيقاته

يتكوّن Brine الشائع الاستخدام من نحو

23% ملح (NaCl) و77% ماء، ما يخفض نقطة تجمد الماء إلى ما دون –6 °F (–21 °C)، ويشكل طبقة رقيقة تلتصق بالسطح دون أن تُنفخ بعيدًا من حركة المركبات، فتمنع تماسك الثلج وتسهّل إزالته أو تجنّب تكونه أصلاً ﹒

تقنية FAST والأنظمة الآلية

تعتمد بعض الجسور الرئيسية على أنظمة رشّ آلية ثابتة (FAST – Fixed Automated Spray Technology) ، حيث تتضمن حسّاساتٍ لقياس درجة حرارة السطح والرطوبة تُفعّل فوهات الرشّ عند وصول الظروف إلى حدود قريبة من التجمد، فتطلق المحلول الملحي بكميات دقيقة ومحكومة لتغطية الأسطح الحيوية فقط، ما يقلّص استهلاك المواد الكيميائية ويقلل من التآكل ويحافظ على سلامة البنية الفولاذية ﹒

أمثلة عالمية مشابهة

يُركّب فرع النقل في ولاية نيفادا (Nevada DOT) أنظمة رشّ آلية على الجسور بين رينو وكارسن سيتي، حيث تُفعّل الفوهات الكالسيوم أسيتات عند اقتراب درجات حرارة السطح من نقطة التجمد 

تستخدم بعض المقاطعات الكندية محلول Brine على الجسور والمنعطفات المرتفعة لتقليل تكون الصقيع والجليد، مع بنية تحتية متنقلة لخلط وحقن المحلول لضمان التصاقه على الأسطح 

الصيانة والاعتبارات البيئية

جداول الصيانة الدورية

تستلزم أنظمة الرشّ صيانة

مسار الأنابيب وفحص الفوهات دورياً لمنع انسدادها بفعل الرواسب أو الجزيئات العالقة في الماء أو المحلول الملحي، بالإضافة إلى اختبار حسّاسات درجة الحرارة والرطوبة للتأكد من استجابتها الصحيحة في الوقت المناسب، وهو ما يتطلب تخصيص ميزانيات صيانة وقائية تقلّص تكاليف الأعطال الطارئة وتُطيل عمر الجسر

آثار المحاليل والكيميائيات

رغم فاعلية Brine، فإن تراكم المواد الملحية ومحاليل الكالسيوم والماغنيسيوم على الأسطح قد يزيد من مخاطر تآكل الخرسانة والفولاذ، ويتطلب تنقيح المياه بعد عملية الرشّ لإزالة الرواسب ومنع انزلاق المشاة والدراجين، كما يجري استكشاف بدائلٍ أقل تآكلاً مثل Calcium Magnesium Acetate (CMA) وPotassium Acetate وفق دراسات صناعية لضمان استدامة البيئة المائية المحيطة ﹒ 

الخاتمة

يشكّل رشّ الجسور بالماء في هولندا مزيجًا من التقنيات الهندسية والبيئية المصمّمة لمواجهة أقسى ظروف الجو: فبواسطة تبريد الفولاذ صيفًا تُحافظ الجسور المتحركة على أدائها الميكانيكي دون تعطّل الملاحة، وبفضل رشّ المحاليل الملحية مع حلول الشتاء تُمنع ظواهر التجمد التي تهدّد سلامة المستخدمين. يتطلب ذلك صيانة دقيقة وأنظمة مراقبة آلية وتنويعًا في المواد المضادة للتآكل

لضمان حماية البنية التحتية والبيئة في آنٍ واحد.

تم نسخ الرابط