جزر تختفي وتظهر فجأة.. هل هناك قوى جيولوجية غامضة تُعيد تشكيل الكوكب؟

لمحة نيوز

لطالما أسرتنا فكرة الجزر التي تختفي فجأة ثم تعود للظهور، كأنها تلعب لعبة الاختفاء والظهور على خرائط المحيطات. تبدو هذه الظاهرة كما لو أن قوى غامضة تُعيد تشكيل وجه كوكبنا دون سابق إنذار، لكن الحقيقة أن الأسباب في معظمها مدروسة ضمن علم الجيولوجيا. نستعرض فيما يلي أبرز الأمثلة على جزر “سحرية” وأهم العمليات الطبيعية التي تقف وراء اختفائها وظهورها.

أمثلة بارزة للجزر المتغيرة

جزيرة سرطاني (Skorpios) – اليونان
في ساحل البحر الأيوني، سجل السكان المحليون على مدى عقود تقلبات ملحوظة في امتداد جزيرة صغيرة تسمى “سرطاني”. يفسر الجيولوجيون هذا التغير بتآكل الصخور الجيرية بفعل الأمواج وعمليات التعرية الكيميائية نتيجة ملوحة المياه وتحرُّك الرواسب الساحلية.

“جزيرة الزلزال” قرب باكستان (Zalzala Island)
في سبتمبر 2013، أدى زلزال بقوة 7.8 درجة قرب سواحل بلوشستان إلى بروز شريط أرضي يبلغ طوله أكثر من 100 متر وارتفاعه نحو عشرة أمتار. سمّاه السكان “جزيرة الزلزال”، لكنه سرعان ما تآكل وغمرته المياه بعد نحو تسعة أشهر، نتيجة تصاعد الغاز (الميثان) من الرواسب البحرية وتفتت الطين.

سورتسي (Surtsey) – أيسلندا
يعد مثالاً على الجزيرة البركانية الناشئة. بين 1963 و1967، اندلع بركان تحت البحر جنوب أيسلندا، فتكوَّنت جزيرة جديدة أطلق عليها

اسم الصنم النرويجي “سورتسي”. تراجعت قليلاً بفعل الأمواج، لكن الصخور البركانية الصلبة حافظت على بقاء الجزيرة حتى اليوم، لتصبح مختبراً طبيعياً لدراسة استعمار الكائنات الحية.

هونغا تونغا هونغا ها’apai – تونغا
بركان هونغا تونغا هونغا ها’apai انفجر بشدة في ديسمبر 2014، مسبِّباً تشكُّل جزيرة جديدة. رغم أن الجزيرة تراجعت لاحقاً بفعل الأمواج، إلا أنها أعادت الظهور بعد ثوران بركاني جديد في يناير 2022، مما يُظهر مقدرة النشاط البركاني على “رسم” خرائط جزر عالمية جديدة وإزالتها.

العمليات الجيولوجية وراء الظاهرة

النشاط البركاني

تكوّن جزر جديدة: تنبثق الجزر البراكينية حين يصل الحمم والرماد إلى السطح، كما حدث في سورتسي وهونغا ها’apai.

استدامة الجزيرة: يعتمد بقاء الجزيرة على نوعية الصخر الناتج، فالصخور البازلتية الصلبة تصمد أمام التعرية أكثر من الرواسب الطينية الهشة.

التعرية وتفتُّت الصخور

تتعرَّض السواحل والصخور البركانية الشابة لهجوم الأمواج المستمر، إضافةً إلى التعرية الكيميائية (أكسدة المعادن وحلّها)، مما يؤدي إلى تحرُّك أجزاء كبيرة نحو البحر.

في جزيرة سرطاني، كسر الأمواج الصخر الجيري مع نفوذ ماء البحر الحمضي، فرَّق الكتل الصخرية وسحبتها درجات صغيرة مع الزمن.

حركات الصفائح والترسّخ الإيزوستاتيكي

يصاحب

انغماس صفيحة تحت أخرى هبوطاً للطرف المنزلق (الباثوليتي)، وقد يظهر في شكل انهيارات أرضية مفاجئة تُغير ارتفاعات القاع البحري.

بعد إزالة كتل جليدية في العصور الجليدية، يرتفع القشرة “تعويضياً” (ارتفاع إيزوستاتيكي)، فتظهر جزر أو مديات ساحلية مغمورة سابقاً.

انبعاث الغاز من الرواسب البحرية

في حوادث مثل “جزيرة الزلزال” باكستان، دفعت فقاعات الميثان العالقة في الرواسب الطينية أطناناً من الطين نحو السطح، فكونت ارتفاعاً يعادل جزيرة صغيرة. إلا أن رشاقة الأمواج أعادت تدوير الطين إلى مكانه بعد أشهر.

تغير منسوب سطح البحر

يؤدي ذوبان الجليد القطبي وارتفاع حرارة المحيطات إلى توسّع حراري للمياه، فترتفع مستويات البحار عدة مليمترات سنوياً.

جزر منخفضة الارتفاع، خاصة في المحيطين الهندي والهادئ، تواجه خطر الغرق التدريجي بفعل ارتفاع البحار، كما في جزر المالديف وسلسلة جزر توفالو.

هل ثمة “قوى غامضة”؟

لا حاجة لاستدعاء قوى خارقة أو حضارات مفقودة؛ فالعلم الجيولوجي يفسّر هذه الظواهر بوضوح:

البركانيّة تولّد أرضاً جديدة ثم تعيد تشكيلها بفعل التفاعلات الفيزيائية والكيميائية.

التعرية والتآكل يحولا مساحات اليابسة إلى أعماق المحيط تدريجياً.

حركات الصفائح تؤدي إلى تغيُّر مستوى القاع البحري ورفع أجزاء منه أو هبوطها.

التغير

المناخي يساهم في ارتفاع منسوب البحار وتآكل السواحل.

انبعاث الغازات المؤقت قد يولّد ظواهر مؤقتة على شكل جزر طينية.

آثار الظاهرة وأهميتها

البيئية والأحيائية

ولادة جزر جديدة تُنشئ مواطن بيئية فريدة لاستعمار الكائنات، كما رأينا في سورتسي.

انقراض بيئات ساحلية وحياة بحرية في المناطق المنخفضة التي تُغمر بالمياه.

الجيوسياسية والاقتصادية

تتغير حدود الدول البحرية بناءً على موقع الجزر والمنطقة الاقتصادية الخالصة، خصوصاً إذا تغيرت خطوط الساحل أو قِيَم الجزر ذاتها.

العقارات الساحلية والقرى الصغيرة تتعرّض للخطر بفعل تآكل الشواطئ وارتفاع البحار.

العلمية والسياحية

تتيح الجزر البركانية المختبِر الحي لدراسة استعمار الأحياء البحرية والنباتية.

تصبح جاذبة للغواصين وعلماء البحار وهواة الاستكشاف، بحثاً عن أجوبة للألغاز الجيولوجية.

تؤكد ظاهرة الجزر التي تختفي وتظهر فجأة أن كوكب الأرض في حالة ديناميكية دائمة. لا تقتصر هذه الديناميكية على مشاهدات نادرة وعابرة، بل هي نتيجة تفاعلات طبيعية مدروسة ضمن علوم الأرض. من البراكين العنيفة إلى تآكل الصخور البطيء، ومن حركات الصفائح الضخمة إلى ارتفاع منسوب البحار الزاحف، ترسم هذه العمليات صورة كوكب حيٌّ يتغير باستمرار. ورغم ما تحمله بعض القصص والأساطير من سحر، فإن العلم يقدِّم

لنا تفسيرات كافية تغني عن الاستعانة بقوى غامضة، وتحول هذه الظواهر إلى فرصة للتعمق في فهم تاريخ الأرض ومستقبلها.

تم نسخ الرابط