أول مدينة تعمل بالطاقة النووية الصغيرة.. هل ستكون هذه مدن المستقبل؟

لمحة نيوز

في ظل التحديات المناخية المتصاعدة والبحث العالمي المستمر عن مصادر طاقة نظيفة ومستدامة، تبرز الطاقة النووية الصغيرة كخيار ثوري يعِد بتغيير جذري في شكل المدن وأنظمة الطاقة فيها. 

وبينما تتركز أنظار العالم على الابتكارات الكبرى، اختارت روسيا أن تبدأ من مدينة نائية في أقصى شمالها، لتصنع سابقة تاريخية: مدينة "بيفيك" تصبح أول مدينة في العالم تعتمد كليًا على مفاعل نووي صغير عائم كمصدر رئيسي للطاقة. 

هذا التحول لا يمثل مجرد إنجاز تقني، بل يفتح الباب أمام نمط جديد من المدن الذكية ذات الاكتفاء الذاتي، القادرة على الجمع بين العزلة الجغرافية والاستقلالية الطاقية.

 فهل ستكون بيفيك النموذج الأول في سلسلة من "مدن المستقبل"؟

مدينة بيفيك.. حينما تلتقي العزلة بالتكنولوجيا النووية

في أقصى شمال شرق روسيا، وتحديدًا في منطقة تشوكوتكا، تقع مدينة بيفيك الصغيرة، التي لم تكن معروفة عالميًا حتى عام 2024. في هذا العام، أصبحت بيفيك أول مدينة في العالم تُزود بالكامل بالكهرباء من خلال محطة طاقة نووية صغيرة عائمة، تحمل اسم "أكاديمك لومونوسوف".

تمثل هذه المدينة مثالًا حيًا على إمكانية الاستفادة من التكنولوجيا النووية في المناطق المعزولة. فمع وجود أقل من 100,000 نسمة في المدينة والمناطق المحيطة، وبيئة جغرافية ومناخية قاسية، كان من الضروري

إيجاد حل عملي ومستدام لتأمين احتياجات الطاقة.

2. المفاعلات الصغيرة: ثورة هادئة في عالم الطاقة النظيفة

تُعد المفاعلات النووية الصغيرة المعيارية (Small Modular Reactors - SMRs) تطورًا تقنيًا بارزًا في مجال الطاقة النووية. وقد صممت هذه المفاعلات لتكون أقل حجمًا من المفاعلات التقليدية، حيث لا تتجاوز قدرتها غالبًا 300 ميغاواط.

إلى جانب صغر حجمها، تتميز هذه المفاعلات بإمكانية نقلها وتركيبها بسرعة في مواقع متعددة، بالإضافة إلى اعتمادها على أنظمة تبريد سلبية تزيد من عوامل الأمان. كما أن تكاليف إنشائها وصيانتها أقل نسبيًا مقارنة بالمفاعلات الكبيرة، ما يجعلها خيارًا مغريًا للدول والمجتمعات ذات الموارد المحدودة.

الأهم من ذلك، أن هذه المفاعلات قابلة للدمج مع مصادر الطاقة المتجددة كالطاقة الشمسية والرياح، مما يعزز من استقرار الشبكة الكهربائية ويقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

3. من منصة عائمة إلى نموذج عالمي: روسيا تفتح باب المدن الذكية النووية

محطة "أكاديمك لومونوسوف" التي تخدم مدينة بيفيك ليست محطة نووية تقليدية. بل هي منصة عائمة مزودة بمفاعلين من طراز KLT-40S بقدرة إجمالية تبلغ 70 ميغاواط تقريبًا، وتم تثبيتها في البحر بالقرب من الشاطئ.

الهدف من هذا المشروع كان استبدال محطة قديمة تعمل بالديزل، وتقليل الانبعاثات الكربونية في المنطقة

بنسبة تصل إلى 50%. وقد صممت لتعمل لمدة 40 عامًا قابلة للتمديد، مع إمكانية توسيع الإنتاج من خلال إضافة وحدات أخرى.

تجربة بيفيك تضع روسيا في مقدمة الدول التي تخطو خطوات فعلية نحو مدن تعتمد على مصادر طاقة نظيفة ومستقلة. كما أنها تقدم نموذجًا يمكن تكراره في العديد من المناطق النائية حول العالم، خاصة تلك التي تعاني من ضعف البنية التحتية أو انقطاع متكرر للطاقة.

4. استقلالية الطاقة تبدأ من مفاعل صغير

من أبرز مزايا المفاعلات النووية الصغيرة أنها تمنح المدن والمناطق النائية استقلالية كاملة في مجال الطاقة. لم تعد المجتمعات البعيدة بحاجة إلى شحنات وقود مستوردة أو الاعتماد على مصادر ملوثة وغير مستقرة.

توفر هذه المفاعلات طاقة مستدامة لفترات طويلة، حيث لا تحتاج إلى تبديل الوقود إلا كل عدة سنوات، وتُدار بأنظمة تضمن استمرارية التشغيل بأعلى مستويات الأمان. كما يمكن بناء أكثر من وحدة مفاعل في الموقع الواحد، بحسب الحاجة إلى الطاقة.

في ظل التغيرات المناخية والضغوط البيئية، يُنظر إلى هذه المفاعلات كحل مثالي للمدن الراغبة في تقليل بصمتها الكربونية دون التضحية باستقرار إمدادات الكهرباء.

5. بين الطموح والتحدي: هل العالم مستعد لاحتضان المدن النووية؟

بحسب تقديرات، فإن الطلب العالمي على الطاقة سيزداد بنسبة 30-40% بحلول عام 2040. في الوقت ذاته، لا

يزال أكثر من ملياري إنسان يعيشون في مناطق تفتقر إلى شبكات كهرباء مستقرة.

المفاعلات النووية الصغيرة قد تغطي ما يصل إلى 10-15% من استهلاك الطاقة في تلك المناطق بحلول عام 2050. ولهذا السبب، دخلت عدة دول في سباق لتطوير نماذج تجارية من هذه المفاعلات.

في الولايات المتحدة، تعمل شركات مثل NuScale وTerraPower على تطوير مشاريع يُتوقع أن ترى النور قبل عام 2030. أما الصين، فقد بدأت بناء أول مفاعل صغير من نوع ACP100 في مقاطعة هاينان. وكندا بدورها تخطط لبناء أول مفاعل SMR في أونتاريو خلال السنوات القادمة.

رغم هذه الطموحات، تبقى هناك تحديات يجب مواجهتها:

  • التكلفة: لا تزال تكاليف الإنشاء والتراخيص مرتفعة نسبيًا.
  • السلامة النووية: بالرغم من تطور أنظمة الأمان، تظل المخاوف البيئية قائمة.
  • القبول المجتمعي: يتطلب هذا النوع من المشاريع ثقة السكان المحليين ودعمهم.

خلاصة

تجربة مدينة بيفيك ليست مجرد إنجاز تقني، بل رؤية جديدة لمدن المستقبل، مدن تعمل على الطاقة النووية الصغيرة وتتمتع بالاستقلال الطاقي والبيئي. في عالم يبحث عن مصادر طاقة نظيفة ومستقرة، تُعد هذه المفاعلات الصغيرة خيارًا واقعيًا وقابلًا للتطبيق.

لكن من أجل أن تتحول هذه النماذج إلى حلول عالمية، لا بد من معالجة التحديات التقنية والتشريعية وتعزيز التعاون الدولي. فقط حينها يمكن القول

إن العالم مستعد لاحتضان الجيل القادم من المدن الذكية النووية.

تم نسخ الرابط