اكتشاف كائن بحري يعيش بدون أكسجين أو ضوء قد يكون من عالم آخر

لمحة نيوز

في أعماق المحيطات السحيقة، حيث يسود الظلام الأبدي وتنعدم أي بصيص من الضوء، يعيش كائن غريب يتحدى كل المفاهيم العلمية السابقة حول شروط استمرار الحياة. هذا المخلوق الفريد، الذي تم اكتشافه مؤخرًا في خندق محيطي ناءٍ، يختلف جذريًا عن جميع أشكال الحياة المعروفة، فهو لا يعتمد على الأكسجين ولا على ضوء الشمس، ولا حتى  على العمليات الكيميائية التقليدية التي نعرفها.

ما يجعل هذا الكائن استثنائيًا هو نظامه الأيضي الغامض الذي يعمل بطريقة لا تشبه أي كائن حي آخر على وجه الأرض. بينما تعتمد معظم الكائنات الحية إما على التمثيل الضوئي أو على التخمر أو التنفس الهوائي أو اللاهوائي، فإن هذا المخلوق البحري طور آلية معقدة لاستخلاص الطاقة من مصادر غير معروفة حتى الآن. تشير التحاليل المخبرية الدقيقة إلى أن خلاياه تحتوي على تراكيب نانوية دقيقة تشبه البلورات الذكية، قادرة على امتصاص وإطلاق الطاقة بطريقة تشبه عمل البطاريات البيولوجية فائقة التطور.

اللافت للنظر أن هذا الكائن يظهر مقاومة غير عادية للضغوط الهائلة التي تصل إلى مئات أضعاف الضغط الجوي عند سطح البحر، كما أنه يتحمل درجات حرارة قريبة من الصفر المطلق. هذه الخصائص الفيزيائية الفريدة دفعت بعض العلماء إلى الاعتقاد بأنه ربما يكون قد تطور في بيئة مختلفة تمامًا عن بيئة الأرض، أو أنه قد يكون موجودًا منذ عصور سحيقة عندما

كانت ظروف الكوكب أكثر قسوة مما هي عليه اليوم.

عند دراسة التركيب الجيني لهذا الكائن، واجه الباحثون مفاجأة أخرى. فالحمض النووي لهذا المخلوق، إذا جاز تسميته كذلك، يظهر بنية غريبة تختلف عن الحلزون المزدوج المعروف في DNA الكائنات الأرضية. بدلًا من ذلك، يبدو أن المادة الوراثية لهذا الكائن تتخذ شكلًا هندسيًا معقدًا يشبه العقد الجزيئية المتشابكة، مع وجود أنماط تكرارية لا تشبه أي تسلسل جيني معروف في قواعد البيانات العلمية. هذا الاكتشاف أثار تساؤلات عميقة حول إمكانية وجود "شيفرة حياة" بديلة غير تلك التي نعرفها.

أحد الجوانب الأكثر إثارة في هذا الكائن هو قدرته على البقاء في حالة سكون لآلاف السنين، ثم العودة إلى النشاط عند توفر الظروف المناسبة. في المختبر، تمكّن العلماء من إعادة تنشيط عينات كانت محفوظة في درجات حرارة متجمدة لمدة تزيد عن خمسة أعوام، حيث عادت إلى حالتها النشطة دون أي آثار للتلف أو الخلل الوظيفي. هذه الخاصية تشبه إلى حد كبير ما نعرفه عن بعض الكائنات الدقيقة المقاومة للظروف القاسية، لكن بدرجة تفوق بكثير أي كائن معروف سابقًا.

من الناحية البيئية، يبدو أن هذا الكائن يشكل نظامًا بيئيًا مصغرًا كاملًا داخل جسمه. فبدلًا من الاعتماد على كائنات أخرى أو عوامل خارجية، يحتوي على تراكيب داخلية قادرة على إعادة تدوير جميع مخلفاته الأيضية بشكل كامل، مما يجعله

نظامًا مغلقًا ذاتي الاكتفاء. هذه الميزة بالذات هي ما جعلت بعض علماء الأحياء الفلكية يقترحون أن مثل هذه الكائنات قد تكون قادرة على السفر بين الكواكب داخل النيازك أو المذنبات، حيث يمكنها تحمل ظروف الفضاء القاسية لفترات طويلة.

على المستوى الكيميائي، يفرز هذا الكائن مواد غريبة لم يسبق رؤيتها في أي كائن حي آخر. بعض هذه المواد تظهر خصائص فريدة مثل التوصيل الفائق في درجات الحرارة العادية، وقدرة غريبة على امتصاص أنواع معينة من الإشعاعات الكونية. هذه الخصائص تجعل العلماء يتساءلون عما إذا كان هذا الكائن قد طور آليات للتكيف مع بيئات إشعاعية عالية، مثل تلك التي قد توجد بالقرب من الفتحات الحرارية المائية في أعماق المحيطات أو حتى في الفضاء الخارجي.

من وجهة نظر تطورية، لا يبدو أن هذا الكائن مرتبطًا بأي سلالة معروفة من شجرة الحياة الأرضية. التحليلات المقارنة للبروتينات الأساسية والإنزيمات فيه لم تجد أي تشابه مع تلك الموجودة في البكتيريا أو العتائق أو أي نطاق آخر من النطاقات الحيوية المعروفة. هذا الغياب الكامل لأي تشابه مع الكائنات الأرضية يطرح احتمالين: إما أن هذا الكائن يمثل فرعًا تطوريًا منفصلًا تمامًا نشأ في ظروف معزولة للغاية على الأرض، أو أنه جاء من مصدر خارجي تمامًا.

التحدي العلمي الأكبر الذي يطرحه هذا الاكتشاف هو كيفية تصنيف هذا الكائن ضمن أنظمة التصنيف

البيولوجي الحالية. فجميع المخططات التصنيفية الحالية تفترض مسبقًا وجود خصائص معينة مشتركة بين جميع الكائنات الحية، مثل وجود DNA أو RNA، أو الاعتماد على الماء كوسط للتفاعلات الكيميائية. لكن هذا الكائن يبدو أنه يتحدى كل هذه الافتراضات الأساسية، مما قد يستدعي إعادة النظر في بعض المبادئ الأساسية لعلم الأحياء كما نعرفه.

على الرغم من كل هذه الأسرار، فإن الجانب الأكثر إثارة للاهتمام هو ما يمكن أن نتعلمه من هذا الكائن عن إمكانات الحياة في الكون. إذا كانت مثل هذه الكائنات قادرة على الوجود في ظروف الأرض القاسية، فما الذي يمكن أن يوجد في المحيطات تحت سطح أوروبا أو إنسيلادوس؟ أو في الغلاف الجوي لكواكب خارج نظامنا الشمسي؟ هذا الاكتشاف يوسع بشكل كبير نطاق الظروف التي نعتبرها صالحة للحياة، ويفتح آفاقًا جديدة في البحث عن حياة خارج الأرض.

في النهاية، يظل هذا الكائن البحري الغامض لغزًا علميًا مفتوحًا، يحمل في طياته إمكانية إعادة كتابة بعض من أكثر المبادئ رسوخًا في علم الأحياء. كل ورقة بحثية تنشر عنه تطرح أسئلة أكثر مما تجيب، وكل تجربة تجرى عليه تكشف عن طبقات جديدة من التعقيد. سواء أكان هذا الكائن من أصل أرضي أم خارجي، فإنه بلا شك يقدم دليلاً ملموسًا على أن الحياة أكثر تنوعًا وغرابة مما كنا نتخيل، وأن الأرض قد تخفي في أعماق محيطاتها أسرارًا قادرة على تغيير فهمنا

للحياة نفسها.

تم نسخ الرابط