متحف افتراضي يسمح بزيارة أعمال فنية نادرة من المنزل

لمحة نيوز

في العقد الأخير، برزت المتاحف الافتراضية كمنصات رقمية رائدة تتيح للجمهور استكشاف الأعمال الفنية النادرة دون الحاجة إلى التنقل، معتمدة على تقنيات متطورة مثل التصوير الفوتوغرافي الدقيق (photogrammetry) والواقع الافتراضي والواقع المعزز، مما يوسع نطاق الوصول ويعزز فرص التعليم والمحافظة على التراث الفني العالمي . تتيح هذه المتاحف للزائرين الاطلاع على قطع فنية من مخازن المتاحف الكبرى وغيرها من المؤسسات غير متاحة للجمهور عادة، مع جولات تفاعلية وصوتية وخصائص عرض تتيح مشاهدة الأعمال من زوايا متعددة وبأدق التفاصيل . أضف إلى ذلك أمثلة بارزة مثل متحف “ڤوما” الافتراضي الذي يفتح أبوابه للجميع لاكتشاف معارض رقمية طارئة، ومبادرة الفاتيكان بتقديم نموذج رقمي ثلاثي الأبعاد لكاتدرائية سانت بيتر يعكس حالتها الحقيقية ويكشف عن تلفيات دقيقة عبر تحليل 22 تيرابايت من البيانات .

المتحف الافتراضي هو منصة رقمية تستضيف محتوى فنيًا وثقافيًا عبر شبكة الإنترنت، ولا يقتصر على جداول زمنية أو حدود جغرافية، بل يعمل على مدار الساعة طوال العام، مما يتيح لأي شخص زيارة معارضه في أي وقت ومن أي مكان . يعتمد هذا النوع من المتاحف على تحويل قطع فنية إلى خرائط بكسلية عالية الدقة أو نماذج ثلاثية الأبعاد، وتضمينها في بيئات تفاعلية تحاكي تجربة المتحف التقليدي، مع مزايا إضافية مثل التكبير الفائق والتعليق الصوتي والروابط المعلوماتية .

أمثلة بارزة على المتاحف الافتراضية

جوجل

للفنون والثقافة

تقدم منصة “جوجل للفنون والثقافة” أكثر من 180 مؤسسة ثقافية من حول العالم، عبر مشروع “الاستوديو الافتراضي” و“جيبّوكتشي غاليري” (Pocket Gallery) التي تسمح بالدخول إلى معارض خاصة مثل معارض كلايندسكي وكلينت وإلقاء جولة صوتية متكاملة . كما يستخدم المشروع تقنية “آرت كاميرا” لالتقاط أدق التفاصيل بأعلى دقة ممكنة، ما يتيح للمستخدمين التكبير على اللوحات لرؤية أعمق اللمسات الفنية .

متحف اللوفر الافتراضي

يُعدّ متحف اللوفر من أعرق المتاحف العالمية، ويتيح منذ سنوات جولات افتراضية تفاعلية تشمل صالات مثل “أرتغام لرصد المواد والتبادل القديم” التي تعرض قطعاً أثرية من العصور القديمة، مع إمكانية التنقل بين الغرف بالنقر على صور 360 درجة . كما يقدم المتحف مسارات مرشدة (visitor trails) لاستكشاف روائعه مثل لوحة “الموناليزا” وتماثيل “فينوس دي ميلو” وغيرها .

النموذج الرقمي لكاتدرائية سانت بيتر

تعاون الفاتيكان مع شركة مايكروسوفت لإنشاء نسخة رقمية ثلاثية الأبعاد لسانت بيتر بالاعتماد على 400,000 صورة عالية الدقة وتقنية التصوير الفوتوغرافي الدقيق، بهدف تمكين الزوار الافتراضيين من جولة تفاعلية محجوزة بالزمن، واكتشاف تلفيات هيكلية يصعب ملاحظتها بالعين المجردة، ودعم جهود الصيانة والحفظ .

متاحف عالمية أخرى

ريكسميوم أمستردام: يتيح المتحف الافتراضي رؤية أكثر من 8,000 قطعة فنية من مجموعته الضخمة التي تتجاوز المليون قطعة، مع عرض لوحات

من عصر النهضة الذهبية الهولندية لجاس هالس وفيرمير ورمبرانت .

متحف المتروبوليتان للآرت: يقدم تجربة “Unframed” عبر الواقع المعزز، محاكياً الغرف الحقيقية للمتحف داخل منازل المتابعين مع معلومات إضافية عن الأعمال الفنية وأسلوب عرض مبتكر .

متحف غوغنهايم: يمكن للزوّار التنقل عبر درجته الحلزونية الشهيرة عبر خدمة “جوجل ستريت فيو” واستكشاف مقتنيات الانطباعيين والمعاصرين دون الحاجة إلى السفر .
التقنيات المستخدمة في بناء المتاحف الافتراضية

تعتمد المتاحف الافتراضية على مجموعة من التقنيات المتقدمة أبرزها:

التصوير الفوتوغرافي الدقيق (Photogrammetry): لتحويل آلاف الصور إلى نموذج ثلاثي الأبعاد دقيق للغاية، كما حدث في نموذج سانت بيتر الافتراضي .

ماسحات ثلاثية الأبعاد (3D Scanning): لمسح الأعمال الفنية والمنحوتات، ما يتيح تقديمها ضمن بيئات افتراضية قابلة للفحص من كافة الزوايا .

الواقع الافتراضي (VR): لخلق تجارب ممتلئة وغامرة تأخذ المستخدم داخل فضاء افتراضي يشبه المتحف الفعلي مع إمكانية التفاعل والانتقال بحرية داخل القاعات .

الواقع المعزز (AR) والواقع المختلط (MR): لإضافة عناصر تفاعلية وعلمية على الصور الحية للأعمال الفنية، وتخصيص المحتوى حسب تفضيلات المستخدمين .
فوائد المتحف الافتراضي

1. إتاحة دائمة وتوسع جغرافي: يعمل بدون توقف وعلى مدار السنة، مما يتيح لأي شخص، في أي منطقة، أن يزور المتحف دون قيود زمنية أو مكانية .
2. تعليم ميسر وتفاعلي:

يقدم شروحات صوتية ونصية وترجمة لعدة لغات، ويضيف عناصر تفاعلية مثل الاختبارات والألعاب التعليمية، مما يعزز التعلم عن بُعد .
3. حفظ وترميم رقمي: يساعد في توثيق الحالات الفنية للأعمال ومعرفة تلفياتها عبر الزمن، ودعم قرارات الترميم دون المخاطرة بالتعامل المباشر مع القطع .
4. تكلفة أقل وانتشار أوسع: يقلل الحاجة إلى السفر والإقامة للباحثين والطلاب والهواة، كما يرفع من نسبة المشاركة الجماهيرية عالمياً .

التحديات وآفاق المستقبل

رغم المزايا العديدة، تواجه المتاحف الافتراضية تحديات منها صعوبة محاكاة الإحساس الحسي الكامل بملمس اللوحات وروائح الأماكن التاريخية، ونقاشات حقوق النشر والملكية الفكرية عند عرض بعض القطع بالصيغة الرقمية، فضلاً عن حاجتها لبنية إنترنتية قوية لتقديم محتوى عالي الدقة بلا تقطّع . ومع تطور تقنيات الواقع الافتراضي والمعزز، وظهور أجهزة قابلة للارتداء أكثر تطوراً، يُتوقع أن تتعاظم قدرات هذه المتاحف لتقديم تجارب أقرب ما تكون للواقع المادي، وربما نرى مستقبلاً تفاعلاً بين الزائرين الافتراضيين يقوده الذكاء الاصطناعي في فضاءات مشتركة .

خاتمة

لقد أسهمت المتاحف الافتراضية في إعادة تعريف تجربة الزيارة الفنية والثقافية، ففتحت أبواب الكنوز النادرة أمام جمهور عالمي، ووسعت من آفاق التعليم والحفظ والصيانة، مع إبقاء الأمل قائماً في تجاوز التحديات التقنية والقانونية. ومع استمرار الابتكار التقني، سيظل المستقبل واعداً بإثراء التفاعل

بين الإنسان والفن عبر فضاءات رقمية غامرة ومتكاملة.

تم نسخ الرابط