لماذا نرى أحلامًا متشابهة؟ دراسة تكشف أن 60% من البشر يتشاركون نفس الأحلام الأساسية

لمحة نيوز

في ظلام الليل، عندما تغلق العينان وتستسلم الجفون لسحر النوم، ينطلق العقل في رحلة غامضة عبر عوالم لا تعرف حدود الزمان أو المكان. هذه الرحلات الليلية التي نسميها أحلاماً تحمل بين طياتها أسراراً نفسية عميقة، ولكن الأكثر إثارة للدهشة هو ذلك التشابه المذهل بين أحلام الأشخاص المختلفين في أنحاء العالم.

تشير الأبحاث الحديثة إلى أن ما يقارب 60% من سكان الأرض يمرون بتجارب حلمية متشابهة في جوهرها، رغم تباعد المسافات واختلاف الثقافات. هذه الظاهرة الغريبة تدفعنا للتساؤل عن السر الكامن وراء هذا التقاطع الحلمي العجيب. هل يعود ذلك إلى بنية الدماغ المتشابهة؟ أم إلى تجارب إنسانية مشتركة؟ أم أن هناك تفسيراً أكثر عمقاً لهذا التشابه الذي يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية؟

عندما نغوص في أعماق هذه الظاهرة، نجد أن العقل البشري أثناء النوم يعتمد على لغة رمزية خاصة للتعبير عن المشاعر والصراعات

الداخلية. هذه اللغة، وإن اختلفت تفاصيلها من شخص لآخر، إلا أنها تشترك في مفردات أساسية. فمثلاً، حلم السقوط من مكان مرتفع ليس مجرد صورة عابرة، بل هو تعبير عن فقدان السيطرة أو الشعور بعدم الأمان في الحياة الواقعية.

في مختبرات دراسة النوم، اكتشف العلماء أن الدماغ أثناء مرحلة الأحلام الواضحة (REM) ينشط بطريقة مميزة. حيث تزداد نشاطات مناطق معينة مسؤولة عن المشاعر والذكريات، بينما تضعف سيطرة المناطق المنطقية. هذه الحالة الفريدة تخلق بيئة مثالية لظهور تلك الصور الحلمية المتشابهة، حيث يتحرر العقل من قيود الواقع، لكنه يظل مقيداً ببنية نفسية مشتركة بين جميع البشر.

لكن الأمر لا يتوقف عند الجانب البيولوجي فقط. فالثقافة والمجتمع يلعبان دوراً مهماً في تشكيل مضمون الأحلام. فعلى سبيل المثال، في المجتمعات التي تشهد اضطرابات سياسية، تظهر أحلام القلق والاضطهاد بنسب أعلى. بينما في المجتمعات

المستقرة، تبرز أحلام الطموح والنجاح بشكل أكبر. هذا التفاعل بين العوامل البيولوجية والاجتماعية يخلق نسيجاً حلمياً فريداً، متشابهاً في أساسياته، مختلفاً في تفاصيله.

نظرية "اللاوعي الجمعي" التي قدمها العالم النفسي كارل يونغ تقدم منظوراً مثيراً للاهتمام. حيث تقترح أن هناك مخزوناً نفسياً مشتركاً بين البشر، يحتوي على رموز وأفكار متوارثة عبر الأجيال. هذه النظرية قد تفسر لماذا نجد تشابهاً في الأحلام بين أشخاص لم يلتقوا قط، ولم يتشاركوا أي تجارب حياتية مماثلة.

لكن رغم كل هذه التشابهات، تبقى الأحلام تجربة شخصية بحتة. فالحلم الواحد قد يحمل معاني مختلفة تماماً لشخصين مختلفين. هذا التنوع في التفسير هو ما يجعل دراسة الأحلام علماً معقداً وشائقاً في نفس الوقت. فالعقل البشري، حتى في حالات اللاوعي، يظل محتفظاً بفرادته التي تميزه عن غيره.  هذه الظاهرة تذكرنا بوحدة التجربة الإنسانية.

فخلف اختلافاتنا الظاهرية، نتشارك نفس المخاوف والآمال، نفس الفرح والألم. والأحلام، بتشابهاتها الغريبة، هي دليل صامت على هذه الحقيقة العميقة. ففي عالم الأحلام، حيث لا توجد حدود ولا قيود، نكتشف أننا أكثر تشابهاً مما نعتقد.وقد يكون هذا التشابه الحلمي دليلاً على أن هناك قواسم إنسانية أعمق مما نتصور، روابط خفية تتجاوز اللغة والثقافة. ربما تكون الأحلام المشتركة رسالة من عقولنا الجماعية، تذكرنا بأننا في النهاية أبناء حضارة واحدة، نتشارك نفس الأسئلة الوجودية ونفس التطلعات نحو الفهم والمعنى. هذه الرؤية توحدنا في زمن يبدو فيه العالم منقسماً أكثر من أي وقت مضى 

في الختام، تظل الأحلام لغزاً يحير العلماء والفلاسفة على حد سواء، نافذةً على أعماق النفس البشرية التي لا تزال تبوح بأسرارها ببطء. هذه الظاهرة الفريدة تذكرنا بأن الإنسان، رغم كل تقدمه العلمي، ما زال يحمل في داخله عالماً غامضاً

يستحق الاستكشاف.

تم نسخ الرابط