ثلوج حمراء في القطب الشمالي.. هل هي ظاهرة طبيعية أم إنذار خطير

لمحة نيوز

تُعدُّ ظاهرة “ثلوج حمراء” أو ما يُعرف بـ “ثلوج البطيخ” من الظواهر الطبيعية النادرة التي تظهر في المناطق القطبية والمناطق الجبلية العالية خلال فصل الصيف. سببها انبثاق طحالب مجهرية تحمل صبغة كاروتينية حمراء تدعى الأستازانتين، وهي آلية تكيف تحمي الطحالب من الأشعة فوق البنفسجية وتساعدها على امتصاص الحرارة وتسريع ذوبان الثلج. وعلى الرغم من كونها ظاهرة طبيعية متكررة عبر التاريخ، فإن انتشارها المتزايد وتسارع ذوبان الجليد المرتبط بها يُثير مخاوف بيئية تتعلق بتسارع تأثيرات تغير المناخ على المناطق القطبية.

ما هي الثلوج الحمراء؟

التعريف والنشأة

ظاهرة الثلوج الحمراء، المعروفة أيضاً بـ “ثلوج البطيخ” أو “الثلوج الدموية”، تحدث عندما تتكاثر طحالب مجهرية في طبقات الثلج، فتؤدي صبغتها إلى تلون الثلج باللون الوردي إلى الأحمر القاتم . هذه الطحالب، التي كانت تُصنف سابقاً ضمن جنس Chlamydomonas nivalis، أُعيد تصنيفها حديثاً إلى جنس جديد يُسمى Sanguina، حيث ينتج النوعان Sanguina nivaloides (الثلوج الحمراء) وSanguina aurantia (الثلوج البرتقالية) 

الملاحظة التاريخية

سجَّل المستكشفون الأوائل ظهور الثلوج الحمراء

في القطب الشمالي خلال رحلات القرن التاسع عشر، حيث وصف القبطان جون روس عام 1818 ثلوجاً تبدو وكأنها جداول دم على امتداد المنحدرات الجليدية في جرينلاند  وقد أشار بعض الكتاب اللاحقين إلى أسباب معدنية، لكن الابحاث الحديثة أكدت أن العامل البيولوجي هو المسبب الرئيس لهذه الظاهرة.

الأسباب العلمية لظهور الثلوج الحمراء

الطحالب القشرية ودورها التكيفي

تنتمي الطحالب المسببة لظاهرة الثلوج الحمراء إلى فصيلة الطحالب الخضراء، لكنها تطور صبغة كاروتينية ثانوية تُسمى الأستازانتين، تمنحها اللون الأحمر وتحمي بلاستيدات الطحلب من الأشعة فوق البنفسجية والضوء المرئي الشديد  

هذه الصبغة تعمل أيضاً على امتصاص حرارة أشعة الشمس، مما يوفر للطحالب حاجتها من الماء السائل أثناء ذوبان الثلج المحيط بها 

الظروف البيئية المحفزة

تُدخل الربيع والصيف في المناطق القطبية كميات كافية من ضوء الشمس والحرارة، إضافة إلى توفر المغذيات المنقولة بواسطة الرياح والغبار، مما يحفز تكاثر الطحالب بشكل مكثف على سطح الثلوج والجليد 

 تبدأ الخلايا في الإنبات ثم تطفو إلى السطح، حيث تفقد الأسواط فتكوّن خلايا سُميكة الجدار تتحمل الظروف

القاسية وتُطوِّر صبغة الأستازانتين للدفاع عن نفسها 

التأثيرات البيئية للثلوج الحمراء

خفض الانعكاسية وتسريع الذوبان

تحويل لون الثلج من الأبيض إلى الأحمر يقلل من معامل الانعكاس (الألبيدو) بشكل كبير، مما يسمح بامتصاص مزيد من الحرارة الشمسية وتفاقم ذوبان الثلج والجليد 

 تشير دراسات جامعة سيمون فريزر إلى أن الثلوج الحمراء قد تُسرّع ذوبان الأنهار الجليدية الموسمية، بما يزيد مخاطر فقدان كتل كبيرة من الثلوج المذابة وتحرير غازات دفيئة محتجزة تحت الجليد 

دلالة على تغير المناخ

على الرغم من أن الثلوج الحمراء ظاهرة طبيعية قديمة، فإن زيادة وتيرة ظهورها وانتشارها في القطب الشمالي يرتبط بارتفاع درجات الحرارة والذوبان المبكّر للثلوج، مما يوفر بيئة أكثر ملاءمة لتكاثر الطحالب .

 يُنظر إلى هذه الظاهرة كإشارة على تسارع آثار الاحتباس الحراري في المناطق القطبية، حيث يُتوقع أن تتفاقم مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية.

هل هي إنذار خطير؟

المخاطر والتحديات

مع تسارع ذوبان الجليد بفعل الثلوج الحمراء، تزداد مخاطر ارتفاع منسوب البحار، واضطرابات في أنماط التيارات البحرية والطقس الإقليمي، إضافة إلى فقدان

المواطن الطبيعية للكائنات التي تعتمد على الثلوج مثل ديدان الجليد والذباب الجليدي .

 كما أن زيادة طبقات الماء السائل على سطح الجليد قد يُفجّر عمليات انزلاق جليدية مفاجئة، تشكل تهديداً لأية محطات بحثية أو سفن استكشافية في المنطقة.

السيناريو المستقبلي

تشير نماذج مناخية إلى أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة يمكن أن يزيد من وتيرة وانتشار الثلوج الحمراء في القطب الشمالي على مدى العقود القادمة، مما يسرّع ذوبان الثلوج ويقلل من تعافي طبقات الجليد شتاءً . يُحذر الباحثون من أن هذه الظاهرة لن تبقى مجرد مظهر جمالي غريب، بل ستتحول إلى عامل مُسرّع لفقدان الثلوج والأنهار الجليدية القطبية.

رغم أن الثلوج الحمراء ظاهرة طبيعية تعود لأكثر من ألفي عام، إلا أن تكاثرها وانتشارها في القطب الشمالي بات يمثل علامة بارزة على تسارع تغير المناخ. فتكون الطحالب المُلوّنة للثلوج حاملة لصوت الطبيعة تنذر بعمليات ذوبان جليدية أسرع وارتفاع مستويات البحار، ما يستدعي تكثيف الجهود البحثية واتخاذ إجراءات فعالة للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة. في النهاية، تحمل الثلوج الحمراء رسالة واضحة: الطبيعة قادرة على التكيف، لكنها ترسل لنا تحذيراً

شديد اللهجة لضرورة مواجهة التغير المناخي قبل فوات الأوان.

تم نسخ الرابط