تحول الجزر البركانية غير المأهولة في المحيط الهندي إلى اتجاه سياحي ناشئ يعتمد على الرحلات المحدودة

لمحة نيوز

يبدو أن بعض الجزر النائية  في المحيط الهندي تعيش خلال السنوات الأخيرة  تحولا لافتا في طبيعة  دورها السياحي  خاصة  تلك الجزر البركانية  المعزولة  التابعة  لأرخبيل سيشل  إلى جانب مناطق قريبة  من سواحل مدغشقر وموزمبيق. فبعد أن ظلت لعقود طويلة  مناطق مغلقة  تقريبا أو محميات بيئية  يصعب الوصول إليها  بدأت اليوم تستقبل نوعا مختلفا من الزوار ضمن ما يعرف بالسياحة  الاستكشافية  ذات الضوابط البيئية  المشددة .
هذا التوجه يأتي ضمن موجة  عالمية  تدفع قطاع السفر نحو مزيد من الاستدامة   لكنه يكتسب حساسية  أكبر في هذه المنطقة  تحديدا بسبب طبيعة  الجزر نفسها. فمعظمها نشأ بفعل النشاط البركاني  وتفصلها مسافات كبيرة  عن اليابسة   كما تحتضن أنظمة  بيئية  نادرة  تطورت بعيدا عن التأثير البشري المباشر. لذلك ينظر إليها كثير من الباحثين باعتبارها مختبرات طبيعية  مفتوحة  تكشف كيف تستمر الحياة

 البحرية  والبرية  في بيئات شبه أصلية .
ومن أبرز النماذج على هذا التحول الجزر الخارجية  التابعة  لسيشل  ولا سيما أتول ألدابرا المصنف ضمن قائمة  التراث العالمي بفضل تنوعه البيولوجي الاستثنائي. هذه المواقع لم تتحول إلى وجهات سياحية  تقليدية   لكنها أصبحت جزءا من برامج خاصة  تعتمد على تصاريح دقيقة  وتنظيم صارم  بحيث يقتصر الدخول عليها على أعداد محدودة  جدا من الزوار كل عام.
وفي مثل هذه الرحلات لا تكون السياحة  مجرد نشاط ترفيهي معتاد  بل تجربة  ميدانية  منظمة  تجمع بين الاستكشاف والمراقبة . إذ ينتقل الزوار عبر سفن صغيرة  مجهزة  تسمح لهم بمشاهدة  البيئات البحرية  النقية  والشعاب المرجانية  العميقة   إلى جانب أنواع من الكائنات البرية  لم تتعرض لتأثير بشري واسع. وغالبا ما تمتد الرحلات لأيام عدة   وتمزج بين التجربة  العلمية  المبسطة  والغوص في مواقع جرى اختيارها بعناية  كبيرة
.
وما يلفت الانتباه في هذا النموذج ليس طبيعة  الأماكن فحسب  بل القواعد الصارمة  التي تحكمه أيضا. فالدخول إلى هذه الجزر يخضع لشروط دقيقة  تشمل تحديد أعداد الزوار مسبقا ومنع أي سلوك قد يؤثر في التوازن البيئي  سواء تعلق الأمر بإدخال أنواع حية  جديدة  أو نقل مواد عضوية  أو حتى الخروج عن المسارات المخصصة  للزيارة .
كما تعتمد الجهات المشرفة  على فرض رسوم بيئية  تخصص مباشرة  لدعم برامج الحماية  والمراقبة  وتمويل الأبحاث العلمية  الجارية  في تلك المواقع. ولهذا أصبحت بعض الجزر بمثابة  محطات بحثية  حية  تساعد العلماء على فهم تطور النظم البيئية  في ظل غياب النشاط البشري المكثف.
ويعود تزايد الاهتمام بهذه الوجهات إلى عدة  أسباب متداخلة . فهناك أولا ارتفاع الطلب على التجارب السياحية  غير التقليدية   حيث بات كثير من المسافرين يبحثون عن الإحساس بالاكتشاف والابتعاد عن الوجهات المزدحمة  والبرامج المتكررة . كما أن التطور
الذي شهده قطاع النقل البحري والسياحة  المتخصصة  أتاح للسفن الصغيرة  واليخوت الحديثة  الوصول إلى مناطق كانت في السابق شديدة  الصعوبة  أو شبه مستحيلة  الوصول.
وفي الوقت نفسه  تغيرت طريقة  إدارة  العديد من المحميات الطبيعية . فبدلا من الإغلاق الكامل أو الانفتاح غير المنظم  أصبحت جهات بيئية  وحكومية  عديدة  تتبنى نموذجا وسطا يسمح بقدر محدود من السياحة  المنظمة . والهدف من ذلك تحقيق عوائد اقتصادية  تدعم جهود الحماية  دون الإضرار بالأنظمة  البيئية  الهشة .
وبين الرغبة  في إتاحة  هذه المواقع النادرة  أمام المهتمين باكتشافها  والحاجة  إلى حمايتها من التأثيرات الضارة   تتشكل اليوم ملامح نموذج سياحي جديد في المحيط الهندي. نموذج يقوم على توازن حساس بين الاكتشاف والحفاظ  في واحدة  من أكثر البيئات الطبيعية  تفردا وهشاشة  على وجه الأرض  وربما يكون هذا التوازن هو التحدي الأكبر في السنوات
القادمة .

تم نسخ الرابط