الجزائر تعلن عن خطط لتنويع مصادر الطاقة

لمحة نيوز

أعلنت الجزائر مؤخرًا عن خطط طموحة لتنويع مصادر الطاقة لديها، وذلك في سياق سعينا للحد من اعتمادها التقليدي على النفط والغاز الطبيعي وتعزيز الاستدامة البيئية. يركز هذا التحول على زيادة حصة الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر في مزيج الطاقة الوطني، مع الاستمرار في تطوير البنية التحتية للغاز الطبيعي وتحسين إنتاج الهيدروكربونات. تسعى الجزائر كذلك إلى جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة في قطاع الطاقة، سواء من خلال شراكات مع شركات دولية كبرى أو عبر مذكرات تفاهم مع جهات أوروبية وأمريكية لتعزيز المشاريع الكبرى مثل أنبوب هيدروجين SoutH2 ومشاريع الطاقة الشمسية والريحية. هذا المقال يستعرض أهم محاور خطة الجزائر للتنويع الطاقوي، ويحلل الفرص والتحديات المرتبطة بهذه الاستراتيجية.

الخلفية والطاقة التقليدية في الجزائر

لطالما اعتمدت الجزائر على النفط والغاز الطبيعي كمصدر رئيسي للإيرادات الحكومية والعملة الصعبة، حيث تعتبر شركة سوناطراك الوطنية حجر الزاوية في استكشاف وإنتاج الهيدروكربونات. رغم ذلك، تواجه الجزائر تحديات داخلية وخارجية تتعلق بتقلب أسعار النفط عالميًا والطلب الأوروبي المتزايد على الطاقة الخضراء عقب الأزمة الأوكرانية.

استراتيجيات التنويع والطاقة المتجددة

أدركت الحكومة الجزائرية أهمية تطوير مصادر طاقة مستدامة لتقليل الاعتماد على الهيدروكربونات، فوضعت خارطة طريق وطنية

لتحقيق طفرة في استخدام الطاقة الشمسية والريحية والهيدروجين الأخضر.

الطاقة الشمسية

يتم حاليًا تنفيذ 19 عقدًا لإنشاء محطات شمسية بقدرة إجمالية 3 جيجاواط بحلول عام 2024، موزعة على ولايات ورقلة وتوقرت وبشار وغيرها، ومن المتوقع الانتهاء منها خلال السنتين القادمتين.

بفضل شدة الإشعاع الشمسي المرتفعة في الصحراء الجزائرية التي تتراوح بين 1,850 و2,100 كيلواط ساعة لكل متر مربع، تستطيع الجزائر تحقيق عائد اقتصادي كبير من هذه المشاريع، إلا أن تكلفة التطوير المرتفعة والحاجة إلى تمويل أجنبي يظلان عقبتين رئيسيتين أمام تنفيذ هذه الخطط.

الطاقة الريحية

تستهدف الجزائر استغلال شمال البلاد وشريطها الساحلي الذي تشهد فيه سرعة الرياح أكثر من 8 متر/ثانية، لبناء مزارع رياح تسهم في رفع حصة الطاقة المتجددة إلى 30% من المزيج الوطني بحلول 2035.

على الرغم من الإمكانيات الواعدة، تواجه مشروعات الرياح تحديات لوجستية مرتبطة بربط المناطق البعيدة عاليًا بالقدرات الشبكية القومية، وتكلفة إنشاء الشبكات اللازمة لنقل الطاقة إلى المدن الكبرى.

الهيدروجين الأخضر

من أبرز مؤشرات التنويع الطاقوي توقيع مذكرة تفاهم بين سوناطراك وسونلغاز وعدد من الشركات الأوروبية مثل VNG وSnam لتطوير ممر SoutH2، الذي يهدف إلى نقل 4 ملايين طن من الهيدروجين الأخضر سنويًا إلى أوروبا بحلول 2040 عبر أنبوب طوله 3,300 كم يربط

الجزائر بإيطاليا وألمانيا والنمسا.

تهدف الجزائر إلى تلبية 10% من طلب أوروبا على الهيدروجين الأخضر بحلول 2040، ما يفتح آفاقًا اقتصادية ضخمة لتصدير منتجات طاقية منخفضة الكربون تقدر قيمتها بنحو 10 مليارات دولار سنويًا.

تسعى الحكومة إلى إنشاء إطار تنظيمي شامل لإنتاج وتخزين ونقل واستخدام الهيدروجين قبل نهاية فترة 2025-2030، ما يدعم جذب الاستثمارات وتطوير البنى التحتية اللازمة لتحقيق هذه الأهداف الطموحة.

الشراكات والاستثمارات الأجنبية

وقع الطرفان الجزائري والأمريكي سوناطراك وOccidental Petroleum مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون في استكشاف وإنتاج الهيدروكربونات، مما يعزز الطاقة الإنتاجية في حقول جديدة مثل حاسي الرمل وحقل مزايد وآهارة ورقان.

في يناير 2025، أبرمت الجزائر اتفاقية مع شركة Chevron الأمريكية للتعاون في مشاريع الحفر والاستخراج البحرية، بهدف زيادة الإنتاج البحري من الغاز والنفط وتلبية الطلب الأوروبي المتزايد.

أعلنت شركة إيني الإيطالية عن استثمار ما يقرب من 8 مليار يورو في الجزائر على مدى الأربع سنوات القادمة لتعزيز إنتاج الهيدروكربونات، في إطار خطة إينى الأوسع لتقوية الشراكات بين أوروبا وشمال إفريقيا تحت ما يسمى "خطة ماتّيي".

التحديات والفرص

رغم الإمكانيات الهائلة، تواجه الجزائر تحديات تتعلق بتمويل مشروعات الطاقة المتجددة، إذ تتطلب هذه المشاريع استثمارات

ضخمة وغالبًا ما تعتمد على قروض ومساعدات خارجية، وهو ما قد يؤخر وتيرة التنفيذ إذا لم يُعالج الإطار القانوني والمالي بجدية.

على الجانب الآخر، توفر الطموحات الحكومية فرصًا كبيرة لجذب الشركات العالمية العاملة في مجال الطاقة الخضراء والهيدروجين، مما يسهم في نقل التكنولوجيا وخلق مواطن شغل جديدة وتعزيز النمو الاقتصادي المستدام.

كما يُتوقع أن تعزز مشاريع الربط الكهربائي تحت البحر مع إيطاليا تصدير الكهرباء الجزائرية المُنتجة من الغاز والرياح والشمس، ما يدعم تنويع العائدات وتقوية مكانة الجزائر كالمنفذ الطاقوي إلى أوروبا.

الخاتمة

باختصار، تسعى الجزائر عبر خططها التنموية الطاقوية إلى تحوّل جذري في مزيج الطاقة الوطني، من خلال زيادة نسبة الطاقات المتجددة إلى 30% بحلول 2035، والاستعداد لدخول عصر الهيدروجين الأخضر عبر مشروع SoutH2 والتعاون مع الشركاء الدوليين في قطاع النفط والغاز المنتظم. ومع توفر الفرص الواعدة وارتفاع الطلب الأوروبي على الطاقة الخضراء، تقع على الجزائر مسؤولية تطوير إطار تنظيمي ومالي مستقر لدعم تنفيذ هذه المشاريع الضخمة، وضمان قدرة البنية التحتية على استيعاب القدرات المنتجة، والنجاح في جذب الاستثمارات الأجنبية الضرورية. يمثل هذا التحول أولى خطوات الجزائر نحو اقتصاد طاقوي متنوع ومستدام يوازن بين استثمار موارد الهيدروكربونات الحالية وتفعيل دفّة الطاقة المتجددة

والهيدروجين لبناء مستقبل أكثر نظافة وكفاءة.

تم نسخ الرابط