الذهب ينخفض مع صعود العائد الحقيقي للدولار الأمريكي
تراجعت أسعار الذهب خلال تعاملات هذا الأسبوع في الأسواق العالمية مع تزايد الضغوط الناجمة عن ارتفاع العائد الحقيقي على السندات الأمريكية طويلة الأجل وصعود الدولار الأمريكي إلى مستويات مرتفعة. هذا التراجع يعكس تغيرا في أولويات المستثمرين الذين باتوا أكثر ميلا نحو الأصول التي توفر عائدا ملموسا خاصة في بيئة اقتصادية تتسم بالتشدد النقدي وانخفاض شهية المخاطرة.
الذهب الذي لطالما شكل ملاذا آمنا في أوقات عدم اليقين بات يواجه ضغوطا حادة نتيجة ارتفاع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ به في ظل تحسن العوائد الحقيقية للسندات مما يهدد مكاسبه التي حققها خلال الأشهر الماضية.
انخفضت العقود الآجلة للذهب بنسبة 1.2% لتسجل 2295 دولارا للأوقية مقابل مستويات كانت تقترب من 2320 دولارا في بداية الأسبوع. كما هبطت العقود الفورية للذهب إلى ما دون 2285 دولارا للأوقية لتسجل أدنى مستوى في أسبوعين. ويعكس هذا التراجع فقدان المعدن الأصفر لبعض الزخم الذي اكتسبه خلال فترة تقلب الأسواق في مطلع العام.
ويرجع هذا الهبوط أساسا إلى ارتفاع العائد الحقيقي على سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات والذي تجاوز حاجز 2% وهي أعلى نسبة تسجل منذ أكثر من 12 شهرا. العائد الحقيقي الذي
في موازاة ذلك واصل الدولار الأمريكي ارتفاعه أمام سلة من العملات الرئيسية مدعوما ببيانات اقتصادية قوية عززت التوقعات ببقاء أسعار الفائدة الأمريكية مرتفعة لفترة أطول.
ارتفاع الدولار يجعل الذهب أكثر تكلفة لحاملي العملات الأخرى ما يقلص الطلب العالمي خصوصا في الأسواق الرئيسية للذهب مثل الهند والصين حيث تعد تكلفة التحويل عاملا مؤثرا في قرارات الشراء.
لطالما كانت العلاقة بين الذهب والعائد الحقيقي علاقة عكسية. فمع ارتفاع العائدات الحقيقية يصبح الاحتفاظ بالذهب أقل جاذبية لأنه لا يدر أي دخل دوري في حين توفر السندات الأمريكية ولا سيما طويلة الأجل عوائد ملموسة ومضمونة نسبيا.
وقال دانيال بليكمور كبير محللي السلع في شركة إنسايت فاينانشال
يعد ارتفاع العائدات الحقيقية تهديدا مباشرا لسعر الذهب. ومع انخفاض معدلات التضخم تدريجيا يصبح العائد الفعلي للاستثمار في أدوات الدين جذابا مقارنة بالذهب الذي يعتمد أساسا على المضاربة أو التحوط.
وفي هذا السياق يرى الكثير من المستثمرين أن الذهب يفقد مؤقتا دوره كأداة للتحوط ضد التضخم خاصة
تتجه أنظار الأسواق نحو مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الذي لا يزال يتمسك بسياسته النقدية المتشددة في انتظار بيانات أكثر وضوحا حول تباطؤ التضخم واستقرار النمو الاقتصادي. وعلى الرغم من صدور تقارير تشير إلى اعتدال نسبي في نمو الأسعار فإن الفيدرالي لمح إلى ضرورة التريث في خفض أسعار الفائدة ما عزز من قوة الدولار وقلص فرص الذهب في استعادة زخمه.
ويقول جايسون باركر خبير استراتيجيات الأسواق لدى بنك أوف أمريكا
أسعار الذهب ستبقى رهينة لتحركات الفيدرالي. أي إشارة إلى خفض مبكر للفائدة قد تعيد للمعدن النفيس بريقه أما الاستمرار في التشدد فسيعني مزيدا من الضغط على الأسعار.
رغم استمرار الشراء المؤسسي من قبل البنوك المركزية إلا أن ذلك لم يكن كافيا لتعويض تراجع الطلب الاستثماري في الأسواق المفتوحة. وبحسب تقرير مجلس الذهب العالمي فقد اشترت البنوك المركزية نحو 45 طنا من الذهب خلال شهر مايو فقط استمرارا لاتجاه استراتيجي نحو تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الدولار.
لكن بحسب محللين فإن الطلب الفعلي لا يترجم بالضرورة إلى ارتفاع فوري في الأسعار خصوصا عندما تتراجع شهية المستثمرين
الأسواق تترقب بحذر تطورات المشهد الاقتصادي العالمي وترى في الذهب أصلا يتأثر بعدد كبير من العوامل المتغيرة أبرزها:
اتجاه الفائدة الأمريكية
أي إعلان عن خفض قريب للفائدة قد يؤدي إلى تراجع العائد الحقيقي وبالتالي دعم الذهب.
مستويات التضخم العالمية
في حال عادت الضغوط التضخمية للارتفاع سيستعيد الذهب دوره التقليدي كوسيلة تحوط.
التوترات الجيوسياسية
تصاعد النزاعات الدولية خصوصا في الشرق الأوسط أو شرق آسيا قد يدفع المستثمرين للبحث عن أصول آمنة.
أداء الدولار
إذا بدأ الدولار في التراجع نتيجة تغيرات في السياسة النقدية أو بيانات سلبية سيعزز ذلك من موقع الذهب.
في ظل بيئة مالية يغلب عليها ارتفاع العائدات الحقيقية وقوة العملة الأمريكية يواجه الذهب تحديات جوهرية تعيق صعوده على المدى القصير. ومع استمرار السياسة النقدية المتشددة وتحسن بيانات الاقتصاد الأمريكي يبدو أن المعدن الأصفر قد يدخل في مرحلة من التذبذب بانتظار محفزات جديدة.
ورغم هذه الضغوط يظل الذهب محتفظا بمكانته كأصل استراتيجي طويل الأمد يمكن أن يعود بقوة إلى دائرة الاهتمام في حال تغيرت المعطيات الأساسية أو ظهرت أزمات مفاجئة تدفع المستثمرين