البحرين توسع التعليم المهني بإضافة ساعات عملية إلزامية
في ضوء التوجهات الوطنية الرامية إلى تعزيز قدرات الكوادر الوطنية وتوطين المهارات التقنية والمهنية، تبرز أهمية توسيع نطاق التعليم المهني في مملكة البحرين عبر إضافة ساعات عملية إلزامية ضمن المناهج والبرامج التدريبية. ترتبط هذه الخطوة ارتباطًا وثيقًا بأهداف رؤية البحرين الاقتصادية 2030، التي تؤكد ضرورة مواكبة متطلبات سوق العمل المتغير وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص لتطوير القوى البشرية.
أولًا، إذ تشير دراسات ونماذج دولية إلى أن الربط المباشر بين التعليم والسوق يسهم في رفع كفاءة الخريجين وزيادة قابلية توظيفهم، فقد اعتمدت البحرين منذ سنوات برامج مثل “الشهادة الثانوية المهنية العامة” (GSVEC) بالتعاون مع مؤسسات دولية، والتي تضمنت مكون “التعلم المنظم في بيئة العمل” (Structured Workplace Learning) الذي يلزم الطلبة بالتدريب العملي لفترات تتراوح بين 4 إلى 6 أسابيع ضمن مؤسسات وشركات حقيقية، ويتم تقييمهم وفق معايير مهنية موصوفة (وظيفيًا وتقنيًا). هذا النموذج أتاح للطلاب اختبار الجوانب العملية لمهاراتهم قبل التخرج، مما عزز من فهمهم لمتطلبات بيئات العمل الحقيقية.
ثانيًا، هناك مبادرات حديثة مثل برنامج “تكوين” (Takween) الذي أطلقته وزارة التربية والتعليم، حيث التحق خلال العام الدراسي الحالي نحو 1,500 طالب وطالبة في المرحلة الثانوية الفنية والمهنية ببرنامج تدريب ميداني مكثف لمدة أربعة أسابيع في شركات ومؤسسات حكومية وخاصة، تحت
ثالثًا، أشارت بعض المبادرات التشريعية إلى وجوب اشتراك القطاع الخاص بواجب تدريب الخريجين البحرينيين، حيث أقر مجلس الشورى مقترحًا يقضي بإلزام المؤسسات التي يزيد عدد موظفيها عن 50 موظفًا بتدريب خريجين جامعيين بحرينيين لفترة لا تقل عن ثلاثة أشهر، بنسبة مقعد تدريبي واحد مقابل كل خمسين موظفًا، على أن ترشحهم وزارة العمل، ويأتي ذلك في إطار تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص ودمج الخريجين في سوق العمل مبكرًا عبر مناخ تدريبي فعلي داخل المؤسسات. مثل هذا القانون من شأنه توفير حاضنة مهنية للخريجين الجدد وتعريفهم بثقافة العمل ومتطلباته العملية.
رابعًا، اتجهت مؤسسات مثل “تمكين” وبوليتكنك البحرين إلى إطلاق برامج التدريب المهني والتلمذة الصناعية (Apprenticeship)، ففي ديسمبر 2023 أطلقت “تمكين” وبوليتكنك البحرين برنامجًا للتلمذة الصناعية يستهدف تأهيل 50,000 بحريني سنويًا عبر مزيج من التدريب النظري والتطبيق العملي في مؤسسات شريكة، مع دعم جزئي للأجور وتغطية تكاليف التدريب. هذه البرامج تمتد لثلاث سنوات وتجمع بين حصص نظرية في المعاهد الفنية وجولات طويلة في مواقع العمل لدى شركاء الصناعة، ما يعكس اتجاهًا مستدامًا نحو تعميق الخبرة
خامسًا، تتكامل هذه الجهود مع توصيات المنظمات الدولية مثل منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD)، التي تؤكد ضرورة توسيع الروابط مع القطاع الإنتاجي وتكثيف التدريب الميداني لتطوير مهارات قابلة للتطبيق تزيد من إنتاجية العمال واستدامة مساراتهم المهنية في بيئات تتسم بالتغير السريع. لذا فإن إضافة ساعات عملية إلزامية ضمن المناهج الفنية والمهنية تتماشى مع الممارسات الفضلى عالميًا، وتقلل الفجوة بين المعرفة النظرية ومتطلبات سوق العمل.
التحديات الرئيسية في تنفيذ مثل هذه المبادرة تشمل:
ضمان جودة التدريب العملي وتقييمه: لا بد من وضع معايير واضحة للتقييم العملي بالتعاون مع الجهات الصناعية، وتدريب المرشدين والمشرفين داخل الشركات على آليات تقييم موضوعية تعكس الكفاءة الحقيقية.
تنسيق الجداول الزمنية والتوازن مع المواد النظرية: يجب تصميم الجداول الدراسية بحيث تتيح فترات عملية كافية دون الإخلال بأسس المعرفة النظرية؛ قد يتم اعتماد هيكل هجين (Blended Learning) يجمع بين التعلم في الفصول والتطبيق في مواقع العمل عبر جدول مرن يتناسب مع ظروف الطلاب والمؤسسات.
شراكة قوية ومستدامة مع القطاع الخاص: يتطلب ذلك حوافز تشجعية للمؤسسات على استقبال المتدربين، مثل دعم جزئي للأجور أو حوافز ضريبية أو اعتراف رسمي بجهود التدريب في تقييم مسؤولي الموارد البشرية لديها.
تهيئة البنية التحتية: تحديث ورش ومختبرات المدارس المهنية لاستقبال
التوعية وبناء الثقافة المهنية: نشر الوعي لدى الطلاب وأولياء الأمور بأهمية الجوانب العملية في التعليم المهني، وإظهار قصص نجاح لخريجين استفادوا من ساعات عملية إلزامية في تعزيز مساراتهم الوظيفية.
من ناحية التنفيذ، يمكن الاستفادة من التجارب الدولية مثل نموذج GSVEC الأسترالي واستراتيجيات BTEC للعمل المرتبط، حيث أبرمت وزارة التربية والتعليم عقودًا مع شركات دولية لتطوير مؤهلات مهنية مرتبطة بسوق العمل فعليًا. كما تستدعي الرؤية الوطنية توسيع برامج الشراكة مع شركات تقنية وصناعية لتوفير مواقع تدريب متنوعة، وتفعيل نظام “جواز المهارات” الذي يحصل عليه الطالب بعد إنهاء الساعات العملية، ويصبح بمثابة شهادة مصغرة موثقة لمهاراته أمام أصحاب العمل.
في الخلاصة، إن توسيع التعليم المهني بإضافة ساعات عملية إلزامية يمثل خطوة استراتيجية لتعزيز جاهزية الخريجين لمتطلبات سوق العمل الديناميكية في البحرين. يتطلب ذلك تكاملاً بين الجهات التعليمية والحكومية والقطاع الخاص، مع وضع إطار تشريعي وتنظيمي يدعم برامج التدريب الميداني ويضمن تقييمه بموضوعية. بهذا، ستتمكن البحرين من تحسين نسب التوظيف بين خريجي التعليم الفني والمهني، وتعزيز اقتصاد معرفي قادر على المنافسة، وتحقيق التنمية المستدامة التي ترتكز