التعاون النفطي والأمني: تفاصيل لقاء ترامب والشرع في الرياض

لمحة نيوز

في تحول لافت يعكس تغير التوازنات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، شهدت العاصمة السعودية الرياض حدثًا نوعيًا تمثل في لقاء رسمي جمع بين الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب، الذي عاد إلى واجهة المشهد السياسي، ورئيس الحكومة السورية المؤقتة أحمد طعمة الشرع. اللقاء، الذي جاء على هامش فعاليات "مبادرة مستقبل الاستثمار"، لم يكن لقاءً بروتوكوليًا أو رمزيًا بقدر ما كان استشرافًا لتحالفات مستقبلية تستند إلى عاملين رئيسيين: النفط والأمن.

هذا الحدث السياسي يحمل في طياته دلالات عديدة، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي، في وقت تتسارع فيه التحولات في سوق الطاقة، وتزداد فيه التهديدات الأمنية العابرة للحدود.

خلفية اللقاء: توقيت غير عشوائي

يأتي اللقاء في وقت بالغ الحساسية بالنسبة للطرفين:

ترامب، الذي يسعى لإعادة فرض نفسه كصانع قرار عالمي، يدرك أن الشرق الأوسط هو مدخل أساسي لاستعادة نفوذ واشنطن بعد ما وصفه بـ"الانسحاب الفوضوي لإدارة بايدن".

أما الشرع، فيحاول حشد الدعم السياسي والدولي لمشروع الحكومة السورية المؤقتة كبديل شرعي وقادر على ملء الفراغ الأمني والسياسي في مناطق الشمال السوري، والتي تعاني من هشاشة إدارية وتحديات اقتصادية مدمرة.

المكان أيضًا لم يكن عبثيًا: فالسعودية، بحكم مركزيتها الجيوسياسية، وامتلاكها لعلاقات متوازنة مع أطراف متناقضة في المنطقة، شكلت نقطة التقاء محايدة للطرفين.

النفط أولًا: المصالح تسبق الأيديولوجيات

تحولات في سوق الطاقة

التقارب بين واشنطن والحكومة السورية المؤقتة جاء على خلفية متغيرات عالمية في أسواق الطاقة، أبرزها:

تذبذب

أسعار النفط نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية.

ارتفاع أسعار الوقود عالميًا مما أثار قلق الناخب الأمريكي.

الضغط الأوروبي على واشنطن لتعويض النقص في مصادر الطاقة.

رغبة دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، في تنويع الشراكات الاستراتيجية خارج نطاق العلاقة التقليدية مع أوروبا والصين.

في هذا السياق، عرض الشرع على الإدارة الأمريكية مقترحًا بفتح المجال أمام شركات نفط أمريكية للاستثمار في المناطق الشرقية من سوريا، الغنية بالموارد البترولية. هذه المناطق، التي تسيطر عليها قوى محلية مدعومة أمريكيًا، تحتاج إلى إدارة اقتصادية مستقرة، وهو ما يمكن أن توفره الحكومة المؤقتة بدعم أمريكي مباشر.

ترامب: النفط أولًا... ثم السياسة

ترامب لم يخفِ في أكثر من مناسبة نظرته "الواقعية" للمنطقة، حيث يعتبر أن النفط هو المحرك الرئيسي لكل تحالف استراتيجي. في كلمته أمام منتدى الاستثمار، أشار بوضوح إلى أن الولايات المتحدة ينبغي أن تكون اللاعب الرئيسي في إعادة رسم خريطة الطاقة العالمية، خاصة في الشرق الأوسط.

قالها بصراحة: "لم نعد نحتمل أن نبقى على الهامش، بينما دول أخرى تحصل على عقود التنقيب والتكرير في مناطق نحن من وفرنا لها الحماية العسكرية."

هذا الموقف، وإن بدا تجاريًا، يحمل في طياته رسالة سياسية: لن تدعم واشنطن أي كيان في المنطقة، ما لم يكن جزءًا من منظومة المصالح الاقتصادية الأمريكية.

الأمن: تحالف استراتيجي لمواجهة المهددات العابرة للحدود

سوريا كمحور أمني جديد

الشق الأمني في اللقاء لم يكن أقل أهمية من ملف النفط، بل ربما أكثر تعقيدًا. إذ ترى واشنطن أن استمرار الفوضى الأمنية

في الشمال والشرق السوري يمثل تهديدًا مباشرًا:

يُعد بيئة خصبة لنمو التنظيمات المتطرفة.

يُهدد المصالح الاقتصادية لشركات الطاقة العالمية.

يُضعف نفوذ واشنطن في ظل تمدد النفوذ الإيراني والروسي.

من هذا المنطلق، اقترح ترامب، وفق مصادر مطلعة، إنشاء غرفة عمليات أمنية مشتركة بين واشنطن والحكومة المؤقتة، تتولى التنسيق الميداني، وتحديث قواعد الاشتباك، وتقديم الدعم الفني والتدريبي للقوات الأمنية المحلية.

موقف الشرع: الأمن هو الشرط الأول لأي استثمار

من جانبه، شدد أحمد طعمة الشرع على أن "أي استثمار في البنية التحتية أو الطاقة لا يمكن أن يتم في ظل غياب منظومة أمنية متماسكة". لذلك، دعا إلى:

تدريب الشرطة المحلية وقوات الأمن الداخلي بدعم أمريكي مباشر.

إشراك خبراء أمنيين أمريكيين في وضع خطط لإدارة المعابر الحدودية.

تطوير أجهزة المراقبة والحماية للبنية التحتية الحيوية.

هذا الطرح لاقى قبولًا أوليًا من الجانب الأمريكي، خصوصًا وأنه يتوافق مع استراتيجية ترامب المبنية على تقليل الانخراط العسكري المباشر، مقابل تعزيز "القوة بالوكالة".

البعد السعودي: وسيط إقليمي أم شريك مباشر؟

السعودية، التي احتضنت اللقاء، لا تكتفي بدور الوسيط التقليدي. بل تُظهر مؤخرًا ميلًا لتكون شريكًا مباشرًا في صياغة التفاهمات الجديدة، خاصة في الملفات التي تؤثر على الأمن الإقليمي.

ما مصلحة السعودية في دعم هذا التقارب؟

ضمان الاستقرار على حدودها الشمالية، ومنع تدفق اللاجئين أو المقاتلين إلى أراضيها.

الحفاظ على نفوذها في الشمال السوري، في ظل التمدد التركي والإيراني.

الاستثمار في إعادة

الإعمار ضمن بيئة مستقرة، تضمن عوائد اقتصادية كبيرة.

وقد عبر ولي العهد محمد بن سلمان عن دعم المملكة لأي مبادرة تعيد التوازن إلى سوريا بشرط أن "تحترم سيادة الدولة وتضمن مصالح الشعب السوري في التنمية والاستقرار".

التحديات المحتملة: ما الذي قد يُعيق تنفيذ التفاهمات؟

رغم التفاؤل الذي ساد أجواء اللقاء، إلا أن الطريق أمام تحويل التفاهمات إلى واقع عملي ليس مفروشًا بالورود. هناك مجموعة من التحديات لا يمكن تجاهلها:

الاعتراضات الدولية: بعض الأطراف الأوروبية قد تنظر بعين الريبة إلى التقارب الأمريكي-السوري الجديد خارج إطار الأمم المتحدة.

الموقف التركي: أنقرة قد تعتبر دعم الحكومة المؤقتة تهديدًا مباشرًا لمصالحها في الشمال السوري.

الخلافات الداخلية في المعارضة السورية: ما زالت بعض الفصائل تعتبر الحكومة المؤقتة كيانًا غير جامع لكل أطياف المعارضة.

الظروف الميدانية المعقدة: انتشار السلاح، وتعدد القوى المسلحة المحلية، يجعل من فرض النظام الأمني الجديد مهمة بالغة الصعوبة.

 فرصة نادرة أم تحالف مؤقت؟

لقاء الرياض ليس مجرد صورة سياسية لزعماء على طاولة مفاوضات. بل هو محاولة حقيقية لصياغة تفاهمات استراتيجية جديدة في منطقة تمزقها الصراعات وتتنازعها المصالح الدولية. النفط، كما كان دائمًا، هو البوابة، لكن الأمن هو المفتاح الحقيقي للاستمرار.

يبقى السؤال: هل يملك الطرفان (ترامب والشرع) الأدوات السياسية واللوجستية لتحويل هذا اللقاء إلى شراكة مستدامة؟ أم أن ما حدث مجرد تحالف مؤقت تفرضه ضرورات المرحلة وسرعان ما يتلاشى؟

الإجابة على هذا السؤال، ستكون رهنًا

بما ستشهده الشهور المقبلة من خطوات تنفيذية، تتجاوز التصريحات والخطب، إلى واقع ملموس ينعكس في أمن الشعوب واستقرار المنطقة.

تم نسخ الرابط