النفط يستأنف مكاسبه مع ارتفاع واردات الصين وتوقعات الطلب
استأنفت أسعار النفط العالمية مسارها الصاعد خلال الأسبوع الأول من يونيو بعد فترة من التذبذب وعدم الاستقرار مدفوعة بعدة محفزات رئيسية في مقدمتها تسجيل الصين أكبر مستورد للنفط في العالم ارتفاعا لافتا في وارداتها من الخام إلى جانب مؤشرات متزايدة على تحسن مستويات الطلب العالمي خاصة من الأسواق الناشئة مما عزز المعنويات الإيجابية في سوق الطاقة التي طالما تأثرت بعدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي خلال الشهور الماضية.
سجل خام برنت القياسي مكاسب تجاوزت 3 خلال الأسبوع الأخير ليتداول فوق مستوى 84 دولارا للبرميل وهو أعلى مستوى له منذ قرابة شهر بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى نحو 80 دولارا للبرميل. هذه القفزة السعرية تعكس تزايد ثقة المستثمرين بانتعاش حقيقي في أساسيات السوق خصوصا مع دخول الصيف الذي يمثل ذروة استهلاك الوقود عالميا.
وتأتي هذه المكاسب رغم الضغوط المستمرة الناتجة عن مخاوف التباطؤ الاقتصادي العالمي وخصوصا في اقتصادات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD حيث لا تزال معدلات الفائدة المرتفعة تمثل كابحا للطلب. ومع ذلك فإن الأسواق فضلت التركيز على الإشارات الإيجابية القادمة من آسيا وعلى رأسها الصين إلى جانب بيانات العرض التي تشير إلى تشدد متزايد نتيجة قرارات أوبك الأخيرة.
منذ بداية العام كان السوق يترقب أداء الاقتصاد الصيني باعتباره عاملا محوريا في تحديد اتجاهات الطلب على النفط نظرا لحجمه الهائل وتأثيره المتزايد في سلاسل الإمداد
وتعكس هذه الزيادة تحسنا ملحوظا في النشاط الصناعي والتجاري لا سيما في قطاعات النقل والبتروكيماويات والتشييد والتي كانت قد شهدت تباطؤا خلال الربع الأخير من العام الماضي. كما أظهرت مؤشرات مديري المشتريات في الصين تحسنا للشهر الثاني على التوالي مما يعزز فرضية أن الاقتصاد الصيني يتجه نحو استعادة زخم النمو التدريجي.
وتشير تقارير مؤسسات أبحاث الطاقة إلى أن الطلب الصيني على الوقود السائل سيرتفع بمقدار 700 ألف برميل يوميا خلال 2025 مدفوعا بتوسع حضري مستمر وزيادة الإنفاق الحكومي على البنية التحتية وعودة النشاط السياحي الداخلي والخارجي إلى مستويات ما قبل الجائحة.
في موازاة هذا التحسن في الطلب لعبت قرارات تحالف أوبك دورا حاسما في دعم الأسعار من خلال استمرار التخفيضات الطوعية للإنتاج والتي تم تمديدها حتى نهاية الربع الثالث من العام. وتشير تقديرات السوق إلى أن الخفض الفعلي للإنتاج في الوقت الراهن يتجاوز 2.2 مليون برميل يوميا معظمها من قبل السعودية وروسيا في محاولة لتقليص الفائض وتحقيق استقرار طويل الأمد في الأسعار.
وقد أكدت المملكة العربية السعودية بصفتها القائد الفعلي للتحالف التزامها الكامل بدعم استقرار السوق مشيرة إلى أن التخفيضات ستظل مرهونة بتوازن العرض والطلب ومؤكدة استعدادها للتدخل بمزيد من الخفض حال استدعت الظروف ذلك.
ومن جانبه أوضح وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان خلال تصريحاته في منتدى الطاقة العالمي الأخير أن التحالف
في تقريرها الشهري الصادر حديثا رفعت وكالة الطاقة الدولية IEA توقعاتها للطلب العالمي على النفط في عام 2025 مشيرة إلى نمو متوقع بنحو 1.2 مليون برميل يوميا على أساس سنوي وذلك نتيجة لتحسن الأداء الاقتصادي في الأسواق الناشئة وزيادة استهلاك الوقود في قطاع النقل البري والجوي.
لكن التقرير حذر في الوقت ذاته من احتمال حدوث عجز في المعروض خلال النصف الثاني من العام إذا لم يتم ضخ كميات إضافية إلى السوق خصوصا في ظل تراجع الإمدادات من بعض المنتجين المستقلين وتباطؤ الاستثمارات في مشاريع الاستكشاف الجديدة.
وأكد التقرير أن استمرار التخفيضات من قبل أوبك بالتزامن مع ارتفاع موسمي في الطلب قد يؤدي إلى تآكل المخزونات العالمية ودفع الأسعار إلى مستويات غير مريحة للدول المستهلكة.
في ضوء هذه المؤشرات عادت صناديق التحوط والمؤسسات المالية الكبرى إلى تعزيز مراكزها الطويلة على عقود النفط الآجلة مما ساهم في زيادة الزخم الشرائي في الأسواق وفقا لبيانات لجنة تداول العقود الآجلة الأميركية CFTC.
وقد ارتفعت عقود الخيارات المرتبطة بخام برنت إلى أعلى مستوياتها منذ مارس مع زيادة التوقعات بأن الأسعار قد تقترب من حاجز 90 دولارا للبرميل خلال الربع الثالث من العام إذا واصلت الصين استيرادها بكثافة وإذا لم تحدث
رغم التفاؤل النسبي لا تزال هناك عدة مخاطر قد تحد من استمرارية الاتجاه الصعودي من أبرزها:
استمرار السياسة النقدية التشددية في الولايات المتحدة وأوروبا ما قد يبطئ نمو الطلب على الطاقة.
تصاعد التوترات الجيوسياسية خصوصا في الشرق الأوسط والتي قد تعطل إمدادات رئيسية أو ترفع تكاليف الشحن والتأمين.
تقلبات محتملة في إنتاج النفط الصخري الأميركي والذي قد يرتفع سريعا استجابة لارتفاع الأسعار ما يضيف إمدادات مفاجئة إلى السوق.
في ظل المؤشرات الحالية يتوقع غالبية المحللين أن تحافظ أسعار النفط على منحى تصاعدي معتدل خلال الأشهر الثلاثة المقبلة مدعومة بتحسن الطلب الآسيوي وانضباط التحالفات الإنتاجية واستمرار السياسات الداعمة من قبل أوبك.
ويتوقع بنك غولدمان ساكس في تقريره الأخير أن يبلغ متوسط سعر خام برنت خلال الربع الثالث نحو 88 دولارا للبرميل فيما يرى بنك مورغان ستانلي أن الأسعار قد تصل إلى 92 دولارا في حال تحقق سيناريو العجز في الإمدادات بالتوازي مع نمو الاستهلاك.
تدل التطورات الأخيرة في أسواق النفط على عودة التوازن التدريجي بين العرض والطلب في مشهد تقوده الصين بقوة من جهة الطلب وتدعمه أوبك من جهة الإدارة الحذرة للإنتاج. وبين هذه وتلك تظل الأسواق عرضة لأي طارئ اقتصادي أو سياسي.
لكن المؤكد أن النفط رغم كل التحديات لا يزال يحتفظ بمكانته كأحد أهم الأصول الاستراتيجية في الاقتصاد العالمي وسيبقى عاملا فاعلا في تشكيل السياسات المالية والتجارية