تقرير دولي يُبقي توقعات نمو اقتصاد الإمارات عند 4.6 % مدفوعًا بالتنويع الاقتصادي والبنية التحتية

لمحة نيوز

نمو متماسك في بيئة عالمية متقلبة

في وقت تزداد فيه التحديات الاقتصادية العالمية تعقيدًا، حافظ تقرير صادر عن البنك الدولي في يوليو 2025 على توقعاته الإيجابية لنمو اقتصاد دولة الإمارات العربية المتحدة، مرجحًا تسجيل نمو قدره 4.6 % في الناتج المحلي الإجمالي خلال هذا العام. هذا التثبيت في التوقعات يأتي رغم التقلّبات المستمرة في أسعار النفط، ووسط ضغوط متزايدة على الاقتصادات الإقليمية، ما يُعد بمثابة شهادة دولية على متانة النموذج الاقتصادي الإماراتي.

مرونة نادرة: ما الذي يحمي اقتصاد الإمارات؟

يرى الخبراء أن السبب الجوهري وراء هذه التوقعات المتفائلة لا يعود إلى أسعار النفط وحدها، بل إلى الأداء المستقر للقطاعات غير النفطية. فقد سجّلت الإمارات في السنوات الأخيرة تقدمًا واسعًا في مساعيها لتنويع مصادر الدخل، مستندة إلى استثمارات ضخمة في قطاعات السياحة، والطاقة المتجددة، والصناعة، والتكنولوجيا، والبنية التحتية المتقدمة. وهذه العوامل جميعها ساهمت في تقليص التبعية لموارد الطاقة التقليدية، ما أضفى على الاقتصاد

مرونة في التعامل مع الصدمات الخارجية.

القطاع غير النفطي: قاطرة النمو الجديدة

بحسب التقرير، يُتوقّع أن يُسجّل القطاع غير النفطي نموًا يتجاوز 4.9 % في 2025، وهو أعلى من المتوسط الإقليمي. هذا الأداء القوي مردّه إلى دعم حكومي ممنهج للاستثمار الأجنبي، وتسريع منح الرخص للمستثمرين، بالإضافة إلى سياسات الانفتاح الاقتصادي وحرية تدفّق رأس المال. وقد أعلنت وزارة الاقتصاد الإماراتية في يونيو الماضي عن استقبال أكثر من 11,000 رخصة تجارية جديدة خلال النصف الأول من العام فقط، مما يدل على حيوية قطاع الأعمال وازدهار المشاريع الناشئة، لا سيما في مجالات التكنولوجيا والخدمات.

البنية التحتية الذكية: رهان المستقبل

واحدة من أعمدة النمو في الإمارات تبقى دون شك البنية التحتية المتطورة. إذ تشير بيانات من مجلس الإمارات للبنية التحتية إلى أن المشاريع الجارية حاليًا تتجاوز قيمتها 770 مليار دولار، وتشمل توسعات في شبكات المترو، وتطوير موانئ ذكية، ومشاريع نقل بري وجوي تعتمد على الذكاء الاصطناعي. هذا التوسع لا يخدم فقط الأهداف

الاقتصادية، بل يُسهم في رفع جاذبية الدولة كمركز إقليمي للتجارة والابتكار والتمويل.

الإمارات والطاقة النظيفة: ثقل اقتصادي ومكانة سياسية

أحد النقاط الجوهرية في التقرير هو تسليط الضوء على الانتقال الإماراتي نحو الاقتصاد الأخضر. إذ تستثمر الدولة بقوة في مصادر الطاقة المتجددة، وتهدف إلى إنتاج 14 غيغاواط من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بحلول عام 2030، ما يجعلها من الرواد في خفض البصمة الكربونية في المنطقة. ولا يمكن فصل هذا المسار عن مكانة الإمارات المتزايدة في المفاوضات المناخية، حيث قادت الدولة فعاليات مؤتمر الأطراف COP28، ما رسخ صورتها كفاعل دولي يوازن بين النمو الاقتصادي والاستدامة.

الميزانية والفائض المالي: إشارات على الانضباط

التقرير يشير إلى أن الميزانية العامة للدولة حققت فائضًا قدره 4.6 % من الناتج المحلي خلال عام 2024، مما يعكس كفاءة في إدارة النفقات العامة وزيادة في الإيرادات غير النفطية. كما توقع أن يستمر الفائض خلال 2025 مدعومًا بنمو الصادرات وتحسن الإيرادات من القطاعات الخدمية. هذا الأداء

المالي يوفر مساحة واسعة لصانع القرار للاستمرار في الإنفاق الرأسمالي دون تعريض الاستقرار النقدي للخطر.

مخاطر خارجية ومحدودية التأثر

رغم هذا التفاؤل، لا يغفل التقرير وجود مخاطر خارجية قد تؤثر على وتيرة النمو، مثل تراجع الطلب العالمي، أو تصاعد النزاعات الجيوسياسية، أو انكماش في الأسواق الأوروبية والآسيوية التي تُعد شريكًا تجاريًا رئيسيًا للإمارات. لكن مرونة سوق العمل المحلي، وارتباط الدرهم بالدولار، وتوازن السياسات النقدية، كلها عوامل تُقلل من أثر تلك الصدمات الخارجية.

نظرة تحليلية: هل تكفي الأرقام وحدها؟

من منظور تحليلي، يعكس نمو الاقتصاد الإماراتي حالة من الاستقرار المتدرج، ولكنه لا يخلو من تحديات داخلية، أبرزها الحاجة إلى تسريع التوطين في القطاعات الخاصة، وتقليص الفجوة بين النمو في المدن الكبرى والمناطق الأخرى. أيضًا، تعتمد الاستدامة الاقتصادية على مدى قدرة الدولة على تنمية كوادر بشرية قادرة على قيادة الابتكار في المرحلة المقبلة.

ختاماً، هل تنجح الإمارات في الموازنة بين النمو السريع والنمو المستدام

طويل الأمد؟ هذا ما ستكشفه السنوات القليلة المقبلة.

تم نسخ الرابط