أول ناطحة سحاب خشبية في النرويج صديقة للبيئة وتحدٍّ هندسي

لمحة نيوز

في مشهد يمزج بين الإبداع المعماري والرؤية البيئية المستدامة تبرز في مدينة بروموندال النرويجية تحفة معمارية فريدة تعرف باسم Mjøstårnet أول ناطحة سحاب خشبية في العالم. هذا المبنى الثوري الذي يتحدى المعايير التقليدية في التصميم والبناء يعد نموذجا متقدما لهندسة الغد حيث يلتقي الطموح العمراني مع الوعي البيئي في توليفة فريدة تثير اهتمام خبراء العمارة والمناخ على حد سواء.
بارتفاع يبلغ 85 4 مترا وامتداد ل 18 طابقا يصنف Mjøstårnet كأعلى مبنى خشبي مشيد بالكامل في العالم عند تدشينه عام 2019 ويقع على ضفاف أكبر بحيرات النرويج Mjøsa. ما يجعله مختلفا ليس فقط استخدام الخشب كمادة إنشائية أساسية بل التزامه الشامل بفلسفة العمارة المستدامة من التصميم إلى التنفيذ.
المبنى شيد باستخدام خشب رقائقي متقاطع CLT وخشب لاصق مصفح glulam وهما من أحدث ما توصلت إليه تقنيات معالجة الأخشاب هندسيا. ومن خلال استغلال خصائص هذه المواد في مقاومة الضغط والشد والحرارة تمكن المهندسون

من تشييد ناطحة سحاب توفر الأمان والمتانة دون اللجوء إلى الخرسانة أو الفولاذ في هيكلها الحامل.
ليست Mjøstårnet مجرد مبنى بل ترجمة ملموسة لرؤية عمرانية صديقة للبيئة. فقد تم استخدام خشب مستخرج محليا من غابات نرويجية مدارة بشكل مستدام ما قلل من الانبعاثات الناتجة عن النقل وأسهم في تعزيز الاقتصاد المحلي.
كما روعي في جميع مراحل البناء تقليص البصمة الكربونية بدءا من تقنيات التصنيع مرورا بخطط العزل الحراري والتهوية الطبيعية وصولا إلى اعتماد نظم ذكية لتقليل استهلاك الطاقة والمياه.
وصرح المهندس المسؤول عن المشروع أويشتاين إلياسن قائلا Mjøstårnet تمثل مستقبل البناء في عالم يعاني من أزمة مناخية. إنها ليست فقط مبنى عاليا من الخشب بل بيان معمار يدعو إلى التغيير.
يتميز البرج بتصميم متعدد الاستخدامات يضم داخله فندقا من فئة أربع نجوم ومكاتب وشققا سكنية ومطعما راقيا وصالة رياضية ومسبحا عاما. هذا الدمج بين الاستعمالات يعزز من مفهوم الحياة الرأسية ويجعل
المبنى مركزا حيويا يخدم المجتمع المحلي والسياح على حد سواء.
وتعد الصالة الرياضية والمسبح من أبرز مكونات المشروع حيث تم تجهيزها بأحدث المعدات والتقنيات مع اعتماد أنظمة استرداد حراري وتدوير مياه ما يكرس التوجه البيئي للمبنى حتى في التفاصيل اليومية.
بناء ناطحة سحاب من الخشب تطلب مواجهة عدة تحديات معمارية وهندسية معقدة. كان من أبرزها
مقاومة الرياح والاهتزازات جرى تصميم الهيكل باستخدام نظام تثبيت داخلي يعزز الصلابة مع إضافة نواة مركزية لتقليل الانحناءات والالتواءات.
السلامة من الحرائق الخشب المستخدم يتمتع بخواص مقاومة طبيعية للنار وعند معالجته خصيصا يصبح أكثر قدرة على مقاومة اللهب من الفولاذ الذي يضعف عند درجات حرارة مرتفعة.
الأحمال الرأسية والأفقية تم توزيع الأحمال بدقة عبر أنظمة دعم متكاملة تضمن التوازن والاستقرار رغم خفة وزن الخشب مقارنة بالخرسانة.
منذ افتتاحه استحوذ Mjøstårnet على اهتمام الأوساط الهندسية والمعمارية والبيئية حول العالم
وحاز على عدة جوائز دولية منها جائزة البناء الأخضر الأوروبية. كما أصبح وجهة تعليمية وسياحية للمعماريين والطلاب والمهندسين الراغبين في التعرف على هذا النموذج الفريد عن قرب.
إلى جانب قيمته الرمزية أدى المشروع إلى تنشيط السياحة البيئية في المنطقة وأسهم في تعزيز سمعة النرويج كمركز للابتكار المعماري الأخضر.
في ظل تصاعد المخاوف العالمية من التغير المناخي يرى خبراء أن التوجه نحو استخدام الأخشاب المعالجة في تشييد المباني الشاهقة قد يحدث ثورة خضراء في قطاع التشييد. فوفقا لدراسات بيئية استخدام الخشب قد يخفض الانبعاثات الكربونية للبناء بنسبة تزيد عن 50 مقارنة بالخرسانة.
لا يمكن النظر إلى Mjøstårnet كمجرد مبنى شاهق. بل هو رسالة واضحة للعالم مفادها أن التقدم لا يعني الانفصال عن الطبيعة بل يمكن أن يكون امتدادا لها. وبينما تتجه أنظار المدن نحو ناطحات سحاب أطول وأكثر لمعانا تذكرنا هذه الناطحة النرويجية الخشبية أن العظمة لا تقاس بالارتفاع فقط بل بالقيم
التي تجسدها.

تم نسخ الرابط