كنيسة تاريخية مبنية من الطوب في مدينة سانت ماري تستعد للافتتاح
في زوايا مدينة سانت ماري العتيقة، حيث تتنفس الجدران قصصاً من زمن غابر، تقبع تحفة معمارية نادرة تتربّع كجوهرة بين مباني المدينة. هذه الكنيسة الطينية التي شيّدت قبل قرون، تتهيأ اليوم لاستقبال الزائرين بعد رحلة ترميم طويلة، لتعيد للأذهان أمجاداً دينية وحضارية كادت تندثر. ما يميز هذا الصرح ليس مجرد عمره المديد، بل تلك الروح الساحرة التي تتناغم مع كل لبنة من لبناته، وكل زاوية من زواياه التي تحمل بصمات عصور مضت.
يعود تاريخ تشييد هذا المبنى المقدس إلى حقبة كانت فيها سانت ماري مركزاً دينياً وثقافياً مزدهراً. اختار البناؤون آنذاك الطوب الأحمر ليس فقط لمتانته، بل لما يمثله من رمزية دينية عميقة. تقول الحكايات إن الحرفيين كانوا يخلطون الطين بمياه الأمطار المقدسة، ويضيفون إليه قشاً محلياً خاصاً قبل حرقه في أفران بنيت خصيصاً لهذا الغرض. هذه التقنية الفريدة هي التي منحت الجدران تلك المتانة الأسطورية، حيث صمدت أمام أعتى العواصف والهزات الأرضية التي عرفتها المنطقة عبر القرون.
لا يمكن للمرء أن يخطئ تلك العمارة القوطية المتواضعة التي تميز هذا الصرح الديني. فبينما تبتعد عن الزخارف المفرطة، تتبنى جمالية بسيطة تخطف الألباب. النوافذ الشاهقة ذات الزجاج المعشق تروي
عندما تعبر الباب الخشبي الضخم المنقوش بزخارف دينية، تنتابك روعة لا توصف. السقف المقبب المصنوع من أخشاب السنديان المعتق يحمل نقوشاً محفورة بدقة بالغة، يعتقد أنها عمل رهبان مهرة عاشوا هنا قبل ثلاثة قرون. أما الجدران التي ظلت لعقود مغطاة بطبقات من الجص، فقد كشفت خلال الترميم عن لوحات جدارية نادرة تصور مشاهد من الإنجيل، تم ترميمها بحرفية عالية للحفاظ على ألوانها الأصلية. المذبح الرئيسي الذي صنع من خشب الأبنوس الأفريقي، والمزين بشرائح ذهبية من عصر النهضة، يعد تحفة فنية قائمة بذاتها.
للأجراس هنا حكاية أخرى. "ناقوس القديسة مريم" الكبير الذي يزن أكثر من طنين، كان وما يزال قلب الكنيسة النابض. تقول الأساطير المحلية أن صوت هذا الجرس كان يسمع على بعد عشرات الكيلومترات، وكان يقرع في المناسبات السعيدة والمحن. خلال المجاعة الكبرى في القرن الثامن عشر، تحول صوت الجرس إلى نداء أمل للمحتاجين،
عملية الترميم الأخيرة التي استمرت خمس سنوات، كانت أشبه برحلة عبر الزمن. استعان الخبراء بكل الوسائل المتاحة للحفاظ على الأصالة التاريخية للمكان. من استخراج الطين المحلي لصناعة طوب ترميمي مطابق للأصل، إلى إعادة نسخ الزجاج المعشق يدوياً باستخدام تقنيات القرون الوسطى. حتى أن الأرضية الحجرية البالية التي تحمل آثار ملايين الخطوات على مر العصور، تمت تقويتها بحيث تحافظ على تلك العلامات التاريخية التي تعتبر شواهد حية على ماضي الكنيسة العريق.
لكن هذه الكنيسة لم تكن مجرد مكان للصلاة. لقرون، كانت مركز إشعاع ثقافي واجتماعي للمدينة بأكملها. ساحتها الأمامية شهدت أسواقاً موسمية، وحفلات زفاف، واحتفالات دينية جمعت كل أطياف المجتمع. في أرشيفات المدينة وثائق تثبت أن مكتبة الكنيسة كانت تضم مخطوطات نادرة، وأن قساوستها كانوا يدرّسون الفلسفة واللاهوت للطلاب القادمين من مدن مجاورة. حتى أن بعض الرحالة الأوروبيين في القرن الثامعشر أشاروا في مذكراتهم إلى هذه الكنيسة كمكان للتقاء الثقافات والحضارات.
اليوم، مع استعدادات الافتتاح،
الزائرون القادمون سيكونون أمام تجربة فريدة. سيمشون على نفس الأرضية الحجرية التي مشى عليها أسلافهم قبل قرون، وسيلامسون نفس الدرابزين الخشبي الذي تآكل جزؤه العلوي من ملايين اللمسات المتعاقبة. سيسمعون نفس صدى الأجراس، وسيرون نفس الأضواء التي تتسلل عبر النوافذ العتيقة. لكن الأهم من ذلك كله، أنهم سيشعرون بتلك الروحانية الخالدة التي تجعل من هذا المكان أكثر من مجرد مبنى تاريخي.
في عصر تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتختفي فيه المعالم الأصيلة يوماً بعد يوم، تظل كنائس مثل هذه حارسة للذاكرة الجمعية. كنيسة سانت ماري ليست مجرد حجارة مكدسة، ولا خشباً منحوتاً، إنها شاهد حي على حكاية إنسانية ممتدة، على إيمان عميق، وعلى حرفية فنية نادرة. افتتاحها القريب ليس مجرد حدث ديني أو ثقافي، بل هو إحياء لروح مدينة بأكملها، وتذكير بأن بعض القيم والمعاني تبقى خالدة، مهما مرّ عليها