تصاعد سباق الذكاء الاصطناعي بين واشنطن وبكين مع استعداد الولايات المتحدة لدفع حلفائها إلى اختيار مسار واضح في المنافسة التقنية
لم يعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين في مجال الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على المختبرات وشركات التكنولوجيا، بل بدأ يتحول إلى مواجهة أوسع تشمل التحالفات وسلاسل الإمداد والنفوذ الدولي. وتتحرك واشنطن في الوقت الحالي لدفع شركائها إلى تحديد موقفهم بصورة أوضح، في ظل مخاوف متزايدة من اتساع الحضور الصيني في قطاع أصبح مرتبطًا بالأمن والاقتصاد والقوة العسكرية.
ووفق معلومات حديثة، تستعد الولايات المتحدة لإبلاغ عشرات الدول بأن المشاركة في المبادرات الأمريكية الخاصة بالذكاء الاصطناعي قد لا تنسجم مع الانضمام في الوقت نفسه إلى أطر تقودها الصين. وتستند هذه التوجهات إلى مسودة رسالة أعدتها وزارة الخارجية الأمريكية، إلى جانب تصريحات لمسؤول أمريكي شدد على أن الشراكات التقنية باتت التزامًا استراتيجيًا وليس مجرد عضوية يمكن الجمع بينها وبين اتفاقات منافسة.
وتأتي هذه الخطوة ضمن مبادرة «Pax Silica» التي أطلقتها واشنطن لتعزيز أمن سلاسل
لكن واشنطن تريد هذه المرة شراكة أكثر التزامًا. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بمكان شراء الرقائق أو الجهة التي توفر نماذج الذكاء الاصطناعي، وإنما بمنظومة الثقة السياسية والتكنولوجية التي ستحدد شكل العلاقات الدولية خلال السنوات المقبلة.
وتنظر الولايات المتحدة إلى سلاسل الإمداد باعتبارها جزءًا أساسيًا من السباق، فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى معالجات عالية الأداء ومراكز بيانات وطاقة ضخمة ومعادن تدخل في صناعة المعدات الإلكترونية. ولذلك فإن امتلاك نموذج متقدم
وفي المقابل، تعمل الصين على بناء منظومتها الخاصة. ففي يوليو أُعلن في شنغهاي تأسيس «المنظمة العالمية للتعاون في الذكاء الاصطناعي» بمشاركة 29 دولة، في خطوة تسعى بكين من خلالها إلى تقديم إطار دولي بديل للتعاون والحوكمة. كما تركز الصين على توسيع الاستفادة من التكنولوجيا وتقليص الفجوة بين الدول، خصوصًا النامية، مقدمة نفسها كشريك قادر على توفير بدائل للتكنولوجيا الغربية.
وقد عزز تقدم نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية مفتوحة الأوزان هذا التوجه، بعدما بدأت نماذج صينية تنافس منتجات شركات أمريكية كبرى، الأمر الذي جعل الصراع يتجاوز مسألة التفوق التقني إلى معركة على النفوذ.
وتظهر كازاخستان حجم المأزق الذي قد تواجهه الدول الراغبة في الحفاظ على علاقات متوازنة. فقد انضمت إلى «Pax Silica»، كما ارتبطت بالإطار الصيني الجديد، لتصبح وفق رويترز
أما السؤال الذي يفرض نفسه الآن فلم يعد: من سيصنع النموذج الأفضل؟ بل من سيبني المنظومة التكنولوجية التي ستستخدم فيها هذه النماذج؟ فالولايات المتحدة تمتلك شركات رائدة وتحالفات واسعة، بينما تملك الصين قاعدة صناعية ضخمة وسوقًا محلية كبيرة وعلاقات اقتصادية ممتدة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
وفي النهاية، فإن السباق بين القوتين لا يتعلق بمن يمتلك أفضل نموذج ذكاء اصطناعي فقط، بل بمن سيحدد القواعد ويسيطر على سلاسل الإمداد ويقود الاستثمارات ويجذب أكبر عدد من الدول إلى منظومته. ومع استمرار هذا المسار، قد يصبح الذكاء الاصطناعي واحدًا من أبرز ميادين التنافس على النفوذ العالمي، لأنه لم يعد مجرد مستقبل للتكنولوجيا، بل أصبح جزءًا مباشرًا من موازين القوة الاقتصادية والأمنية