حزب مارك كارني الليبرالي يفوز في الانتخابات الكندية المتقاربة، وسيشكل حكومة أقلية
في واحدة من أكثر الانتخابات الكندية تنافسًا في السنوات الأخيرة، تمكن الحزب الليبرالي بقيادة مارك كارني من تحقيق فوز صعب، سيخوّله تشكيل حكومة أقلية جديدة. هذا الفوز، رغم كونه جزئيًا، يُعد تحوّلًا سياسيًا مهمًا في البلاد، حيث أعاد الحزب الليبرالي إلى الواجهة بعد حملة انتخابية شهدت منافسة شديدة بين القوى السياسية المختلفة، لا سيما حزب المحافظين بقيادة زعيمه الجديد.
لكن من هو مارك كارني؟ ولماذا توصف هذه الانتخابات بـ"المتقاربة"؟ وما طبيعة الحكومة الأقلية التي سيشكلها؟ وما هي تحديات المرحلة المقبلة؟ هذا ما نستعرضه في المقال التالي.
من هو مارك كارني؟
مارك كارني ليس شخصية غريبة عن الكنديين، رغم أن دخوله السياسي يُعد حديثًا نسبيًا. فهو اقتصادي بارز شغل مناصب رفيعة في أهم البنوك المركزية في العالم، أبرزها:
محافظ بنك كندا (2008 – 2013)
محافظ بنك إنجلترا (2013 – 2020)
عُرف كارني بخبرته في إدارة الأزمات المالية، وبرز اسمه عالميًا بعد قيادته السياسات النقدية خلال الأزمة المالية العالمية، كما ساهم في دفع سياسات المناخ والحوكمة المالية في منتديات دولية
في السنوات الأخيرة، بدأ يتجه نحو العمل السياسي المحلي، وانضم إلى الحزب الليبرالي الكندي، حتى أصبح زعيمه وواجهته الرئيسية في هذه الانتخابات.
انتخابات متقاربة... حتى آخر لحظة
شهدت الانتخابات التي جرت في أبريل 2025 تنافسًا شديدًا بين الحزب الليبرالي، حزب المحافظين، والحزب الديمقراطي الجديد. أظهرت استطلاعات الرأي قبل الانتخابات تقدمًا طفيفًا للمحافظين، ما جعل كثيرين يتوقعون تحولًا في الحكم.
لكن النتائج النهائية أظهرت مفاجأة:
حصل الحزب الليبرالي على عدد مقاعد كافٍ ليكون الأول، دون أن يحقق الأغلبية المطلقة (170 مقعدًا من أصل 338).
جاء حزب المحافظين ثانيًا بفارق ضئيل، في حين احتفظ الحزب الديمقراطي الجديد بحصته البرلمانية، مما يضعه في موقع بيضة القبان.
هذا الوضع يعني أن الليبراليين سيشكلون حكومة أقلية، وسيتعين عليهم التعاون مع أحزاب أخرى لتمرير التشريعات والموازنات.
ماذا تعني حكومة أقلية؟
في النظام البرلماني الكندي، الحكومة الأقلية هي التي لا تملك فيها الحزب الحاكم الأغلبية المطلقة من المقاعد. وهذا يفرض واقعًا سياسيًا دقيقًا،
سيحتاج مارك كارني إلى التفاوض مع أطراف مثل:
الحزب الديمقراطي الجديد (NDP) الذي يميل نحو سياسات تقدمية.
وربما الكتلة الكيبيكية التي تضع أولويات كيبيك في مقدمة أجندتها.
أولويات مارك كارني وحكومته المرتقبة
خلال حملته، ركّز مارك كارني على ملفات محورية وعد بتنفيذها، أبرزها:
التحول إلى الاقتصاد الأخضر: تعزيز الاستثمار في الطاقة المتجددة، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
الإسكان الميسور: معالجة أزمة ارتفاع أسعار الإيجارات والمساكن في المدن الكندية الكبرى.
العدالة الاجتماعية: توسيع برامج الدعم الأسري والرعاية الصحية، وفرض ضرائب تصاعدية على الأغنياء.
الذكاء الاصطناعي والابتكار: دعم مشاريع الابتكار وتعزيز دور كندا في الاقتصاد الرقمي.
غير أن حكومة الأقلية قد تعرقل تنفيذ بعض هذه الوعود بسرعة، ما لم ينجح كارني في بناء توافقات سياسية قوية.
ردود الأفعال: بين التفاؤل والتحفظ
أثار فوز كارني وحزبه ردود فعل متباينة على المستوى الشعبي والسياسي:
المؤيدون
المعارضون حذروا من ضعف حكومة الأقلية، وأعربوا عن تخوفهم من مزيد من الجمود في البرلمان.
أما الأسواق المالية، فقد تفاعلت بحذر، حيث ارتفعت بورصة تورونتو بشكل طفيف بعد الإعلان عن النتائج، بينما حافظ الدولار الكندي على استقراره النسبي.
التحديات المقبلة
لا شك أن تشكيل حكومة أقلية يعني أن أمام مارك كارني مجموعة كبيرة من التحديات السياسية والاقتصادية، من أبرزها:
ضمان تمرير أول موازنة حكومية دون تصويت بحجب الثقة.
الحفاظ على توازن سياسي دقيق بين الأحزاب.
إدارة ملفات معقدة مثل التغير المناخي، العلاقة مع السكان الأصليين، وملف الهجرة.
كما سيواجه اختبارًا مبكرًا في قدرته على التفاوض والقيادة تحت ضغط البرلمان المنقسم.
خاتمة
فوز مارك كارني بالانتخابات وتشكيله حكومة أقلية يمثل مرحلة جديدة في الحياة السياسية الكندية. وبصفته خبيرًا اقتصاديًا عالميًا دخل مؤخرًا إلى المشهد الحزبي، ستكون الأعين شاخصة نحو أدائه في قيادة البلاد وسط تحديات محلية ودولية متشابكة. فهل ينجح كارني في إثبات
الأيام المقبلة وحدها تحمل الإجابة.