يمكن لنظام تحلية المياه بالطاقة الشمسية توفير مياه شرب منخفضة التكلفة
في ظل تصاعد التحديات المرتبطة بأزمة المياه العالمية وتزايد الضغوط الناجمة عن تغير المناخ والنمو السكاني تبرز تحلية المياه بالطاقة الشمسية كحل واعد يحقق معادلة صعبة تجمع بين الاستدامة البيئية والجدوى الاقتصادية والوصول العادل إلى المياه. هذا النظام الذي يعتمد على الطاقة الشمسية لتشغيل عمليات التحلية أصبح محورا للعديد من المبادرات العالمية الرامية إلى توفير مياه شرب منخفضة التكلفة في المناطق التي تعاني من ندرة المياه.
يعتمد نظام تحلية المياه بالطاقة الشمسية على استخدام الطاقة الشمسية الحرارية أو الكهروضوئية لتشغيل وحدات تحلية المياه المالحة أو الملوثة وتحويلها إلى مياه صالحة للشرب والاستخدامات اليومية. وتتنوع هذه الأنظمة بين تقنيات التقطير الشمسي المباشر حيث تبخر المياه بفعل حرارة الشمس ثم تكثف وتقنيات أكثر تطورا مثل التناضح العكسي المدعوم بالطاقة الشمسية الذي يستخدم على نطاق واسع في المناطق النائية والريفية.
وفقا لتقارير منظمة الصحة العالمية يعاني أكثر من ربع سكان العالم من نقص حاد في الوصول إلى مياه شرب نظيفة. وفي ظل محدودية الموارد الطبيعية وارتفاع تكلفة البنية التحتية التقليدية لنقل ومعالجة المياه بات من الضروري التوجه نحو حلول لامركزية
تشكل تكاليف التشغيل المنخفضة أحد أبرز مزايا هذا النظام حيث تستخدم الطاقة الشمسية كمصدر متجدد ومجاني ما يقلل من الاعتماد على الوقود الأحفوري والتكاليف المرتبطة به. وعلى الرغم من أن التكاليف الأولية لتركيب الأنظمة قد تكون مرتفعة نسبيا إلا أن العائد على الاستثمار يصبح ملحوظا خلال سنوات قليلة من التشغيل خصوصا في المناطق التي تفتقر إلى شبكات المياه والكهرباء.
كما أن التحسينات المستمرة في كفاءة الألواح الشمسية وتقنيات التحلية ساهمت في تقليل تكاليف الإنتاج إلى مستويات منافسة. فبحسب دراسة يمكن لنظام تحلية شمسي صغير أن ينتج لترا من المياه بتكلفة لا تتجاوز 0 005 دولار أمريكي وهو رقم يعد ثوريا مقارنة بأنظمة التحلية التقليدية.
من المزايا البارزة لأنظمة التحلية الشمسية قابليتها للتطبيق في القرى والمناطق البعيدة التي يصعب ربطها بشبكات المياه والكهرباء. فقد أثبتت التجارب الميدانية في إفريقيا وآسيا أن وحدات تحلية صغيرة مدعومة بالطاقة الشمسية قادرة على توفير مياه نقية لعشرات العائلات يوميا دون الحاجة إلى بنى تحتية معقدة أو دعم فني مستمر.
وفي تجربة نوعية بأحد مخيمات اللاجئين
تشهد مناطق متعددة من العالم تجارب رائدة في هذا المجال. ففي المملكة العربية السعودية تم إنشاء محطات تجريبية لتحلية المياه باستخدام الطاقة الشمسية ضمن مشروع مدينة نيوم المستقبلية في خطوة تستهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي المائي بالطاقة النظيفة.
أما في الهند فقد أطلقت الحكومة مشروعا لتزويد أكثر من 100 قرية نائية بأنظمة تحلية شمسية مما أسهم في تقليل الاعتماد على المياه الملوثة أو مصادر الشراء غير الرسمية وحسن من صحة المجتمعات الريفية.
وفي الإمارات العربية المتحدة أبدت هيئات البحث والابتكار اهتماما كبيرا بتطوير وحدات متنقلة لتحلية المياه بالطاقة الشمسية يمكن استخدامها في حالات الطوارئ والكوارث الطبيعية.
رغم إمكانيات النظام العالية لا تزال هناك تحديات تعيق تعميمه بشكل واسع منها
ارتفاع التكلفة الأولية لتركيب الأنظمة خاصة في الدول منخفضة الدخل.
تفاوت مستويات الإشعاع الشمسي بين المناطق والفصول ما قد يؤثر على استقرار الإمدادات.
صعوبة التخزين طويل الأمد للمياه المنتجة في بعض النماذج البسيطة.
نقص الكوادر
ومع ذلك يرى الخبراء أن هذه التحديات قابلة للحل عبر التمويل الحكومي والشراكات الدولية إلى جانب الاستثمار في التدريب المحلي والبحث العلمي.
لتمكين هذا الحل على نطاق أوسع يجب أن تتبنى الحكومات استراتيجيات وطنية تدعم استخدام الطاقة المتجددة في قطاع المياه مع تقديم حوافز استثمارية وإعفاءات ضريبية للشركات التي تطور هذه الأنظمة. كما يمكن للمؤسسات الدولية مثل البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن تلعب دورا محوريا في تمويل مشاريع تحلية شمسية في المجتمعات الأكثر تضررا من أزمة المياه.
يمثل نظام تحلية المياه بالطاقة الشمسية نقلة نوعية في كيفية تعامل العالم مع ندرة المياه حيث يجمع بين الاستدامة البيئية والكفاءة الاقتصادية والتطبيق العملي في المناطق الهشة. ومع اتساع رقعة الابتكار في هذا المجال يبدو أن شمس التحلية قد بدأت تشرق على مستقبل أكثر أمنا لا سيما في المناطق التي كان الحصول فيها على مياه نظيفة حلما بعيد المنال.
وفي وقت تعيد فيه الحكومات النظر في سياساتها البيئية والمائية تظل تحلية المياه بالطاقة الشمسية أحد أكثر الحلول ذكاء وإنصافا وفاعلية في سبيل بناء عالم لا يحرم فيه أي إنسان من حقه الأساسي في