لماذا يُحرّم بعض الفنانون رسم العيون؟

لمحة نيوز

في عالم الفن التشكيلي، تبقى العين محورًا مثيرًا للجدل، ليس فقط بسبب تعقيد تفاصيلها وتعبيرها الفريد، بل أيضًا لما تثيره من تساؤلات دينية وأخلاقية بين بعض الفنانين، لاسيما في المجتمعات المحافظة.

 ورغم أن رسم الوجوه والأجساد يُعد ممارسة شائعة في الفنون الغربية والحديثة، إلا أن بعض الفنانين العرب والمسلمين يرفضون  عن قناعة أو التزام ديني  رسم العيون تحديدًا، معتبرين أن ذلك تجاوز لحدود المسموح به في التصوير الفني من منظور شرعي.

العين: نافذة الروح أم موضع التحريم؟

العين ليست مجرد عضو بصري، بل تُعد عنصرًا رمزيًا في الرسم، إذ تعبّر عن الحياة، والمشاعر، والوعي. 

وفي كثير من المدارس الفنية، تُعطى العيون أهمية كبيرة لأنها تضفي على اللوحة عمقًا وحسًّا إنسانيًا، وقدرة على التفاعل البصري مع المتلقي. 

غير أن هذا العمق الرمزي هو ذاته ما يجعلها موضع تحفّظ ديني، لدى بعض الفنانين الذين يرون في رسمها محاكاة لخلق الله.

رأي شرعي قديم يتجدّد

يعتمد بعض الفنانين في رفضهم لرسم العيون على أحاديث نبوية فُسرت بأنها تحرّم تصوير الكائنات الحية الكاملة، وخصوصًا

التي يمكن اعتبارها تماثيل أو صورًا فيها روح، وفقًا لما ورد في نصوص من السنة النبوية. 

ويستشهد هؤلاء بحديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم: إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون، وهو حديث أثار جدلًا طويلًا بين العلماء، خاصة في تفسير المقصود بـالمصورين.

من هنا، يعتبر البعض أن رسم الكائن الحي بشكل متكامل، وخاصة إذا اشتمل على العيون، يدخل في باب محاكاة خلق الله، وهي النقطة التي يتوقف عندها التحريم، حسب تفسيرات بعض الفقهاء. أما إذا رُسم الكائن ناقص الأعضاء، كأن يُرسم جسد بلا رأس، أو وجه بلا عين، فهناك من يرى أن هذا لا يدخل في باب التحريم لأنه لا يكتمل به خلق الإنسان.

التحفّظ الديني وتأثيره على الإبداع الفني

هذا الرأي الشرعي لم يكن حبيس الكتب، بل وجد طريقه إلى ساحة الفنون البصرية.

 فبعض الفنانين التشكيليين، خاصة في المجتمعات الإسلامية المحافظة، يتجنبون رسم العيون أو يستبدلونها بعلامات رمزية أو فراغات، احترامًا لقناعاتهم الدينية.

 وقد أصبح هذا الاتجاه تيارًا فنيًا له حضوره، حيث ظهرت أعمال كثيرة تتضمن شخصيات بلا عيون، أو لوحات تجريدية تخلو من الملامح

الكاملة.

وفي تصريحات لفنانين معاصرين، أشار بعضهم إلى أن الامتناع عن رسم العين لا يعني كبح الإبداع، بل هو توجيه له نحو التعبير بوسائل بديلة، كرمزية اللون، والتجريد، واستخدام الخطوط والإضاءة لتوصيل المشاعر دون الحاجة إلى رسم الروح بشكل مباشر.

مقاربة فنية بين الحرية والحدود الدينية

لكن هذا الرأي لا يحظى بالإجماع. فهناك فنانون مسلمون يرون أن التحريم لا ينطبق على الفن المعاصر، خاصة إذا كان بعيدًا عن نية التمثيل أو العبادة.

 وهم يشيرون إلى اختلاف السياق التاريخي والثقافي بين ما كانت عليه الصور في العصور الأولى، حين ارتبطت بعبادات وثنية وتماثيل، وبين ما هي عليه اليوم كوسيلة تعبيرية بصرية لا يقصد بها تقليد الخلق ولا صنع الأصنام.

ويعتمد هؤلاء على تأويلات فقهية أخرى، ترى أن التحريم مشروط بالقصد والمحتوى، وليس بالشكل فقط، خصوصًا في ظل الاستخدام الواسع للصور والرسومات في التعليم، والإعلام، والطب، والتوثيق، وحتى الدعوة.

العين كرمز فني في الحضارات القديمة والحديثة

على مدى العصور، شكّلت العين رمزًا فنيًا قويًا، ابتداءً من الحضارات الفرعونية التي اعتبرت عين حورس رمزًا

للحماية، إلى الحضارة اليونانية التي أولت العين أهمية خاصة في تماثيلها ولوحاتها. وفي الفن الإسلامي، رغم التحفّظ التاريخي على رسم الكائنات الحية، برزت أنماط فنية مذهلة تعتمد على الزخرفة الهندسية والخط العربي لتجنب تجسيد الملامح.

ومع ذلك، في العصور الإسلامية المتأخرة، وخصوصًا في الفن الفارسي والعثماني، ظهرت رسوم دقيقة للبشر، بما فيها العيون، ضمن المخطوطات والقصص المصورة، دون أن تثير موجات رفض كبيرة، ما يشير إلى أن الموقف من رسم العيون ليس مطلقًا، بل خاضع للاجتهاد والزمان والمكان.

الفن والضمير: موقف شخصي أم فتوى عامة؟

في المحصلة، لا يمكن اختزال هذا الجدل في فتوى قاطعة أو موقف موحد، فبين من يرى أن رسم العيون هو تعدٍّ على الخصوصية الإلهية، ومن يعتبره جزءًا من التعبير الجمالي والإنساني، تتباين المواقف وفقًا للمرجعية الدينية والثقافية، بل وحتى للنية الفردية للفنان.

وفي حين يتمسك بعض الفنانين بالامتناع عن رسم العيون احترامًا لقناعاتهم، يرى آخرون أن الفن لا يُحاكم بالنوايا الدينية وحدها، بل يُقدَّر بقيمته الفنية ورسائله الإنسانية. 

وبين هذين الرأيين، تبقى العين،

كما هي دائمًا، مرآة لا تعكس فقط ما نراه، بل ما نؤمن به أيضًا.

تم نسخ الرابط