تعرف على الشعب الذي يرى أن البكاء هو أفضل هدية في حفلات الزفاف
في حين يربط معظم الناس حفلات الزفاف بالفرح والضحك والرقص والهدايا الفاخرة، هناك شعبٌ آسيوي يتمسك بتقليد غريب لكنه مؤثر جدًا: البكاء الجماعي. في هذا المجتمع، لا يُعتبر البكاء علامة ضعف أو حزن، بل يُعدّ أعظم هدية رمزية يمكن تقديمها للعروس في يوم زفافها. إنها عادة ثقافية متجذرة تُمارس منذ قرون، وتحمل بين دموعها معاني الحب، التضحية، والفخر.
فمن هو هذا الشعب؟ وما قصة هذه العادة الغريبة والمذهلة؟
شعب التوجيا: حيث تُصبح الدموع لغة الحب
الشعب الذي يرى في البكاء هدية مقدّسة هو شعب التوجيا (Tujia)، أحد الأقليات العرقية في جنوب غرب الصين، وتحديدًا في مقاطعة هونان. يقدّر عدد أفراد هذا الشعب بالملايين، لكنهم لا يزالون يحافظون على طقوسهم الثقافية الموروثة، خاصة تلك المتعلقة بحفلات الزفاف.
في طقوس الزواج التقليدية لدى التوجيا، تُعرف العروس بحفل "البكاء المُسبق للزفاف"، حيث تبدأ بالبكاء قبل موعد الزفاف بشهر كامل، ولمدة ساعة يوميًا! نعم، يوميًا، ولمدة 30 يومًا.
الكلمات المفتاحية: شعب التوجيا، تقاليد الزفاف في الصين، طقوس
كيف تبدأ طقوس البكاء ولماذا؟
تبدأ العروس بالبكاء بمفردها في البداية، ثم تنضم إليها والدتها بعد أيام، ثم الجدة، ثم باقي النساء في العائلة. وتتحول هذه الجلسات إلى حلقات بكاء جماعية، أشبه بالغناء الجنائزي، لكنها ليست حزينة بالمعنى السلبي، بل مليئة بالمشاعر العاطفية المختلطة.
يُطلق على هذا التقليد اسم "Zuo Tang" باللغة المحلية، ويُعتقد أن الغرض منه هو التعبير عن:
الامتنان للوالدين لما قدّموه للعروس في حياتها.
الحزن على مغادرة بيت العائلة والانتقال إلى بيت الزوج.
الاحتفال بالحياة الجديدة التي تنتظر العروس.
الصلاة لمستقبل مزدهر للزوجين.
ويُقال إن العروس التي لا تبكي خلال هذه الفترة تُعتبر "باردة القلب" أو غير ناضجة عاطفيًا.
البكاء كفن شعري وغنائي
ما يُميز هذا التقليد أكثر أنه ليس بكاءً عشوائيًا، بل يُؤدى على شكل أناشيد حزينة تُعرف بـ"أغاني البكاء"، تُرددها النساء بنمط موسيقي فريد. وغالبًا ما ترتجل النساء كلمات الأغنية بحسب مشاعرهن ومواقفهن الشخصية، مما يخلق لحظات صادقة
تشمل كلمات الأغاني موضوعات مثل:
"أمي، كيف سأعيش من دونك؟"
"وداعًا يا سريري الصغير"
"أتمنى أن لا تدمع عيناكِ يوم رحيلي"
ويحضر العريس هذه الطقوس أحيانًا، ليشاهد كم هو "مرغوب" من قبل عائلة العروس، التي تودّع ابنتها بدموع صادقة.
بين الماضي والحاضر: هل لا تزال العادة موجودة؟
رغم التحوّلات الاجتماعية والانفتاح الكبير على العالم، لا تزال بعض مناطق شعب التوجيا تُمارس هذه الطقوس، وإن كان بوتيرة أقل. في المدن الكبرى، باتت هذه العادة تُختصر إلى يوم أو اثنين فقط من البكاء الرمزي، بسبب ضغوط العمل وسرعة الحياة.
ومع ذلك، فإن العائلات التي تحرص على التقاليد ترى أن هذه الطقوس ليست مجرد تقليد قديم، بل وسيلة لإعادة الروابط العائلية، والتعبير عن المشاعر الحقيقية التي قد لا تظهر في الحياة اليومية.
ردود فعل الزوار والمجتمعات الأخرى
العديد من السيّاح الذين شهدوا هذه الطقوس وصفوها بأنها تجربة "مؤثرة إلى حد البكاء"، حتى دون أن يفهموا الكلمات. الدموع الحقيقية التي تنهمر على وجوه النساء تُظهر حجم المشاعر التي تملأ هذه اللحظة.
كما أصبحت هذه الطقوس موضوعًا للعديد من الوثائقيات والدراسات الثقافية التي تحاول فهم فلسفة الشعوب الشرقية في التعبير عن الحب والفقد والانتقال من مرحلة لأخرى.
رمزية الدموع في ثقافات أخرى
رغم غرابة تقليد التوجيا بالنسبة للبعض، فإن الدموع في المناسبات السعيدة ليست محصورة عليهم. في بعض الثقافات الأخرى:
في اليابان، يُعتبر البكاء العلني نوعًا من التطهير العاطفي.
في مناطق بالهند، تبكي العروس وهي تُزف كنوع من الوداع الحزين لعائلتها.
حتى في الثقافات الغربية، يذرف الآباء والعرائس والضيوف الدموع خلال مراسم الزفاف، وإن كانت بطريقة غير منظمة أو طقسية.
ما يميّز التوجيا هو أنهم حوّلوا الدموع إلى طقس متكامل، واحتفلوا بها كفن، لا كضعف.
خلاصة: الدموع هدية لا تُقدّر بثمن
في زمن تتسارع فيه الحياة وتبهت فيه المشاعر خلف الصور والمظاهر، يُذكرنا شعب التوجيا بأن التعبير الصادق عن الحب لا يحتاج إلى هدايا فاخرة، بل يكفيه دمعة نابعة من القلب.
البكاء في حفلات الزفاف لديهم ليس حزنًا على الزواج، بل احتفالًا بالمشاعر النبيلة، وبداية