مقبرة في فرنسا تدفن الموتى وهم جالسون ما القصة؟

لمحة نيوز

في قلب الريف الفرنسي، وتحديدًا في منطقة "ديجون" الهادئة بشرق البلاد، وبينما كانت الأرض تُحرث لأعمال زراعية روتينية، وقعت مفاجأة أثرية قلبت الموازين، إذ تم العثور على مقبرة غامضة تعود إلى ما قبل الميلاد، تضم رفاتًا بشرية دُفنت بوضعية جلوس، في مشهدٍ نادر لا يشبه ما اعتدنا عليه من تقاليد الدفن.

دفن جلوسًا... لماذا؟

عادةً ما تُدفن الجثث في وضعية الاستلقاء، سواء في الثقافات الغربية أو الشرقية، لكن أن يتم دفن الموتى جلوسًا، فهذا ما وصفه علماء الآثار بـ"النادر والمثير للجدل". فقد تم اكتشاف 13 قبرًا تعود إلى الفترة الغالية بين 450 و25 قبل الميلاد، وجميعها تحتوي على هياكل عظمية وُضعت بعناية في وضع الجلوس داخل حفر دائرية، كأن أصحابها على موعد مع جلسة طويلة في العالم الآخر.

تخطيط متقن وطقوس غامضة

ما يثير الدهشة أن هذه القبور ليست عشوائية، بل مصطفة بدقة في صفٍ يمتد من الشمال إلى الجنوب، وتواجه جميعها جهة الغرب، في إشارة واضحة إلى طقوس أو رمزية دينية كانت لها أهمية عميقة لدى من قاموا بهذه الدفونات.

أوضاع الأذرع المختلفة (بعضها مستند على الفخذين، والبعض الآخر على الجانبين) وتثبيت الأرجل بشكل مائل، يُظهر أن الجثث لم تُترك لتتخذ هذه الوضعية طبيعيًا، بل وُضعت على هذا النحو عمدًا. مما يرجّح أن الدفن تم بعد التحنيط أو بطريقة سمحت للجسد بالحفاظ على هذه الهيئة، وربما وُضع المتوفى في مقعدٍ أو صندوقٍ خشبي خلال الدفن.

هل هم محاربون؟ أم قادة دينيون؟

رغم عدم العثور على الكثير من المتعلقات الشخصية داخل القبور، إلا أن علماء الآثار يعتقدون أن أصحاب هذه القبور لم يكونوا أناسًا عاديين. الوضعية غير التقليدية، والحرص على توجيه الجثث نحو جهة واحدة، ترجّح أنهم كانوا محاربين أو زعماء قبليين أو روحيين. فربما كانت الجلسة تعبيرًا عن الجاهزية أو التأمل أو رمزًا للحكمة والقيادة.

ولأن ثقافة الغاليين – وهم شعوب قديمة عاشت في فرنسا قبل الرومان – كانت تُولي احترامًا بالغًا للموتى، فإن دفن شخص بتلك الطريقة يوحي بمكانة عالية كان يتمتع بها خلال حياته.

اتجاه الغرب... رمز الانتقال؟

الاتجاه نحو الغرب لم يكن عبثيًا.

ففي العديد من الثقافات القديمة، يرتبط الغرب بغروب الشمس، والموت، والنهاية، والانتقال إلى "العالم الآخر". وربما آمن هؤلاء أن الجلوس في مواجهة الغروب هو استقبال رمزي للرحلة إلى الأبدية.

بعض الفرضيات تقول إن الغرب كان يُمثّل "بوابة العبور" إلى الحياة الآخرة، وبالتالي فإن هذه الوضعية تعكس استعداد المتوفى لخوض هذه الرحلة بكامل وعيه، وربما بحالة تأملية أيضًا.

مقبرة أطفال قرب الموقع... دلالات إضافية

بجانب هذه القبور الغريبة، تم العثور على مقبرة للأطفال تعود إلى القرن الأول الميلادي. ضمّت الرفات أطفالًا لم تتجاوز أعمارهم عامًا واحدًا، وُضع بعضهم داخل توابيت خشبية، مع مرفقات جنائزية مثل العملات المعدنية وقطع خزفية.

وهذا التباين بين طريقة دفن البالغين الجالسين والأطفال المستلقين، يشير إلى تنوع واضح في الطقوس الجنائزية حسب العمر، وربما حسب الاعتقاد بالمكانة الروحية أو الانتقال إلى العالم الآخر.

لماذا يهم هذا الاكتشاف؟

رغم مرور آلاف السنين على هذه الدفونات، إلا أن اكتشافها اليوم يُعيد طرح العديد

من الأسئلة حول فهمنا للتاريخ الإنساني. ما الذي يجعل ثقافة ما تختار دفن موتاها جلوسًا؟ ما الرمزية التي تنطوي عليها هذه الوضعية؟ وهل كانت ممارسة شائعة لفئة معينة فقط؟

علماء الآثار الفرنسيون وصفوا هذا الاكتشاف بأنه "كنز ثقافي"، لأنه لا يكشف فقط عن طقوس موتى، بل يُلقي الضوء على نظرة القدماء إلى الحياة والموت والخلود.

كما أن قلة عدد القبور بهذه الوضعية (12 حالة موثقة في أوروبا حتى الآن، منها 9 في فرنسا) يجعل كل اكتشاف جديد منها بمثابة نافذة نادرة على عالم شبه منسي.

ختامًا...

في زمنٍ تتسارع فيه الحياة، ويطغى الحديث عن التقنية والذكاء الاصطناعي، يأتينا هذا الاكتشاف ليُذكرنا بأن الماضي لا يزال يحمل في طيّاته ألغازًا لم تُحل، وأسئلة لم تُجب، وأن الموت – كما الحياة – كان يُنظر إليه برهبة، وتُمارس من حوله طقوس تحمل في طيّاتها عقيدة وأملًا واستعدادًا لعالم آخر.

مقبرة الموتى الجالسين في فرنسا ليست مجرد حفريات، بل قصة حضارة، ورسالة من أناسٍ عاشوا قبل آلاف السنين، وما زالوا، بجلستهم الأبدية، يثيرون

فضولنا ويحثّوننا على إعادة التفكير في نظرتنا للموت... وللحياة.

تم نسخ الرابط