تماثيل جزيرة الفصح لها أجساد تحت الأرض.. ماذا اكتشف العلماء حديثاً

لمحة نيوز

التماثيل الغامضة في جزيرة الفصح: كشف النقاب عن أسرار مدفونة تحت الأرض

تشتهر جزيرة الفصح (رابا نوي) بتماثيلها الحجرية الضخمة المعروفة باسم "مواي"، التي حيرت العلماء والسياح على مدى قرون. وعلى الرغم من أن هذه التماثيل تُصوَّر عادةً على أنها رؤوس فقط، إلا أن الاكتشافات الحديثة كشفت أن لها أجساداً ممتدة تحت الأرض، مما أثار أسئلة جديدة حول تاريخها وطريقة بنائها وأهميتها الثقافية. فماذا اكتشف الباحثون تحديداً؟ وكيف يعيد هذا الاكتشاف كتابة قصة هذه الحضارة القديمة؟

من هم بناة المواي؟

تعود أصول تماثيل المواي إلى شعب رابا نوي، الذين استوطنوا الجزيرة المعزولة في المحيط الهادئ بين القرنين الـ12 والـ15 الميلادي. نحتت هذه التماثيل من صخور بركانية تُدعى "توف"، واستُخدمت لتمثيل الأسلاف أو القادة الروحيين، حيث اعتقد السكان أنها تجسيد للقوة والحماية. وعلى مدى عقود، ركزت الأبحاث على محاولة فهم كيفية نقل هذه التماثيل، التي يصل وزن بعضها إلى 80 طناً، من المحاجر إلى مواقعها النهائية الممتدة على سواحل الجزيرة.

الأسطورة
الشائعة: لماذا ظهرت الرؤوس فقط؟

لطالما اعتقد الكثيرون أن تماثيل المواي تتكون من رؤوس ضخمة فقط، ويرجع ذلك جزئياً إلى الصور الشهيرة التي تظهرها بارزة فوق الأعشاب أو التربة. لكن الحقيقة أن عوامل التعرية والترسبات الطبيعية دفنت الأجساد تدريجياً على مر القرون، تاركةً الرؤوس مرئيةً فقط. وفي أوائل القرن العشرين، بدأت بعثات أثرية محدودة في الكشف عن أجزاء من الأجساد، لكن النتائج بقيت غير مكتملة حتى العقود الأخيرة.

الاكتشاف الحديث: أجساد منحوتة بتفاصيل مدهشة

بين عامي 2011 و2020، قام فريق دولي من علماء الآثار والجيولوجيين بحفريات مكثفة حول عشرات التماثيل، مستخدمين تقنيات مثل الرادار المخترق للأرض والمسح ثلاثي الأبعاد. واكتشفوا أن لكل تمثال جذعاً مغموراً في الأرض، يصل طوله أحياناً إلى 7 أمتار، مع تفاصيل منحوتة تشمل أذرعاً وأيدياً وأحزمةً مزخرفة. والأكثر إثارةً أن بعض هذه الأجساد تحمل نقوشاً ورموزاً تُعتقد أنها تعكس معتقدات السكان أو سجلاً لأحداث تاريخية.

أسرار النقوش والرموز

كشفت الحفريات عن زخارف معقدة على ظهور

التماثيل المدفونة، مثل أشكال حلزونية ترمز إلى المطر، ورسومات لحيوانات منقرضة كانت تعيش في الجزيرة. ويعتقد الباحثون أن هذه النقوش قد تكون "سجلاً بصرياً" يروي هجرة الأسلاف أو تغيرات المناخ التي أثرت على حياة المجتمع. كما عُثر على صبغات حمراء وزرقاء في بعض المناطق، مما يشير إلى أن التماثيل كانت ملوَّنة في الماضي، وهو ما يتحدى الفكرة السابقة بأنها كانت رمادية单调.

التكنولوجيا القديمة: كيف نُحتت التماثيل ونُقلت؟

أظهرت الدراسات أن شعب رابا نوي استخدم أدوات حجرية تسمى "توكي" لنحت التماثيل مباشرة من الصخر البركاني. أما عملية النقل، فتشير الأدلة الجديدة إلى استخدام منحدرات طينية وأساليب رفع ذكية تعتمد على الحبال والأخشاب، بدلاً من الفرضيات القديمة التي افترضت تدحرج التماثيل على جذوع الأشجار. كما كشف تحليل التربة حول التماثيل عن شبكة من المسارات المُعبَّدة بالحجارة، مما يدعم نظرية نقلها بوضعية عمودية، وهو إنجاز هندسي مذهل لتلك الحقبة.

التحديات البيئية وصمود التماثيل

تعاني الجزيرة من تآكل التربة بسبب الرياح والأمطار،

مما يعرض الأجزاء المدفونة من التماثيل للخطر. وقد بدأت مشاريع ترميم بالتعاون مع منظمات دولية لحماية المواقع الأثرية، باستخدام مواد تحاكي التربة الأصلية لتثبيت التماثيل دون تشويه مظهرها. ومع ذلك، لا تزال هناك مخاوف من تأثير تغير المناخ على استقرار الطبقات الجوفية.

رابا نوي اليوم: تراث ثقافي أم تراث عالمي؟

يعتبر سكان الجزيرة الأحفاد المواي جزءاً لا يتجزأ من هويتهم، ويطالبون بدور أكبر في إدارة الأبحاث والسياحة. وفي السنوات الأخيرة، فرضت الحكومة التشيلية قيوداً على زيارة بعض المواقع لحمايتها، بينما تعمل منظمة اليونسكو على دمج المعارف المحلية في خطط الحفاظ على التراث.

الخلاصة: إعادة كتابة التاريخ

يكشف هذا الاكتشاف أن حضارة رابا نوي كانت أكثر تعقيداً مما نتصور، مع إتقانها لفنون النحت والهندسة ورمزية عميقة. ولا يزال كل تمثال يحمل أسئلةً تحتاج إلى إجابات، لكن الأكيد أن الأجساد المدفونة ليست مجرد أجزاء مخفية، بل نوافذ إلى ماضي غني يستحق الاستكشاف. كما يذكرنا هذا الاكتشاف بأهمية الحفاظ على التراث الإنساني، ليس

كحجارة صامتة، بل كشواهد حية على إبداع أسلافنا.

تم نسخ الرابط