المجلس الأعلى للإعلام المصري يحدد أخلاقيات نشر قضايا الأطفال

لمحة نيوز

المجلس الأعلى للإعلام المصري يحدد أخلاقيات نشر قضايا الأطفال: مسؤولية الكلمة وأمانة الرسالة
بقلم: صحفي مصري بخبرة 10 سنوات في تغطية الشأن الإعلامي والقانوني

في زمن أصبحت فيه المعلومة سريعة الانتشار، وتتناقلها المنصات قبل أن تكتمل وقائعها، تأتي خطوة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر بوضع ضوابط مهنية وأخلاقية صارمة لنشر قضايا الأطفال كإشارة واضحة إلى نضج الإعلام المصري واستيعابه لخطورة المرحلة.

فقد أعلن المجلس مؤخرًا عن وثيقة إرشادية تهدف إلى ضبط تناول وسائل الإعلام، المرئية والمكتوبة والإلكترونية، لقضايا تخص الأطفال سواء كانوا ضحايا، جناة، أو حتى شهودًا، وذلك حفاظًا على براءتهم أولًا، وحقوقهم القانونية ثانيًا، وصورة الإعلام المهني ثالثًا.

لماذا الآن؟ ولماذا الأطفال تحديدًا؟

مع تصاعد وتيرة التغطية الإعلامية لحوادث العنف الأسري، الجرائم المدرسية، أو حالات

الاعتداء على الأطفال، برزت ظواهر خطيرة مثل كشف هوية القصر، تداول صورهم، أو الخوض في تفاصيل حياتهم الخاصة بشكل يخرق القوانين الدولية والمحلية، لا سيما قانون الطفل المصري، واتفاقية حقوق الطفل التي وقّعت عليها مصر.

جاءت هذه الضوابط بعد حالات متكررة شهدنا فيها خروجًا عن المعايير، حيث ظهرت وجوه الأطفال في مشاهد صادمة، أو تم استخدامهم كمادة لجذب الجمهور، دون مراعاة لأثر ذلك على صحتهم النفسية ومستقبلهم الاجتماعي.

أبرز ما جاء في الوثيقة الجديدة

وضعت الوثيقة الجديدة خطوطًا حمراء لا يمكن تجاوزها. من أبرز ما نصت عليه:

حظر نشر صور أو أسماء الأطفال في قضايا تتعلق بالتحقيقات الجنائية أو الأحوال الشخصية.

منع استخدام الأطفال في مشاهد تمثيلية تحاكي وقائع عنف أو تحرش.

إلزام المؤسسات الإعلامية بالحصول على موافقة ولي الأمر أو الوصي القانوني عند إجراء مقابلات أو تصوير

أطفال.

تدريب الصحفيين والإعلاميين على كيفية تغطية قضايا الطفولة بشكل مهني وإنساني.

كما شدد المجلس على ضرورة مراجعة المحتوى قبل النشر من قبل إدارات التحرير، والتنسيق مع المجلس في الحالات الإشكالية التي تستدعي الرأي القانوني أو المهني.

بين حرية الإعلام وحقوق الطفل

من خلال تجربتي الممتدة لأكثر من عقد في بلاط صاحبة الجلالة، أؤمن أن حرية الإعلام لا تتعارض مع احترام خصوصية الطفل، بل إن التوازن بين الإثنين هو المعيار الحقيقي لاحترافية العمل الصحفي. الصحافة ليست مجرد سباق نحو السبق، بل هي مسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع.

لقد واجهنا مرارًا معضلة نقل الحقيقة دون الإضرار بالضحايا، خاصة حين يكونون أطفالًا. وكم من مرة سألني زملاء شباب: هل نمتلك الحق في كشف كل شيء؟ والإجابة دائمًا: لا، إن لم يكن ذلك يخدم المصلحة العامة بصدق، دون تهويل أو انتهاك.

الإعلام كدرع حماية.. لا
سيف انتقام

إن من واجب الإعلام أن يكون طرفًا في حماية الطفل، لا أداة لإيذائه. نقل الخبر لا يعني التعرية العاطفية أو انتهاك المساحات الخاصة. بل ينبغي أن تكون التغطية هادفة، توعوية، تحترم القيم الإنسانية وتستند إلى المعرفة بالقانون والضوابط المهنية.

الخبر الصادق لا يحتاج إلى الإثارة الرخيصة، والصورة المؤثرة ليست بالضرورة تلك التي تفضح الوجوه والدموع. لدينا من الأدوات واللغة ما يكفي لنروي القصص بعمق دون أن نكسر القلوب الصغيرة.

خطوة على طريق إصلاح شامل

ختامًا، يمكن القول إن خطوة المجلس الأعلى للإعلام ليست معزولة عن مسار إصلاح الإعلام المصري، بل هي امتداد لتوجه عام نحو إعلام مسؤول، واعٍ، يحترم حقوق الإنسان وخاصة الأطفال. هو إعلام لا يخضع فقط لحسابات "اللايك" و"المشاركة"، بل ينطلق من ضمير مهني حيّ.

وما نأمله كصحفيين أن تتحول هذه الضوابط إلى ممارسة يومية، لا مجرد

شعارات. فحماية الطفل تبدأ بالكلمة، والكلمة تبدأ منّا.

تم نسخ الرابط