لماذا نحتفل بعيد الأب؟ماذا تعرف عنه

لمحة نيوز

لماذا نحتفل بعيد الأب؟ دلالات اجتماعية ونفسية لاحتفاء يستحق التوقف عنده

في زحام الحياة اليومية، ومع تسارع وتيرة الانشغال والمسؤوليات، كثيرًا ما يُغفل دور الأب أو يُختزل في كونه مجرد مصدر للإنفاق وتوفير الاحتياجات. لكن حين يأتي عيد الأب، يُعاد تسليط الضوء – ولو ليوم واحد – على العمق العاطفي، والدور التربوي، والرمزية المجتمعية لهذا الشخص الذي قد لا يُقال له "شكرًا" كثيرًا. فما أصل هذا العيد؟ ولماذا أصبح معترفًا به عالميًا؟ وما الذي يعكسه الاحتفال به من قيم وتوجهات اجتماعية؟

أصل عيد الأب: احتفاء لم يبدأ حديثًا

رغم أن عيد الأم يحظى بشعبية أوسع في كثير من المجتمعات، فإن فكرة الاحتفال بعيد الأب ليست جديدة، بل تعود بداياتها إلى أوائل القرن العشرين. نشأت المبادرة في الولايات المتحدة، حين قامت امرأة تُدعى "سونورا سمارت دود" في ولاية واشنطن، عام 1910، بالدعوة لتكريم الآباء، خاصة بعد أن ربتها والدها المنفرد بعد وفاة والدتها.

وبينما اعتمد الرئيس الأمريكي ليندون جونسون عام 1966 يوم الأحد الثالث من شهر يونيو ليكون موعدًا رسميًا لعيد الأب، لم يتم الاعتراف به كعطلة وطنية إلا في عام 1972. ومنذ ذلك الحين، بدأ ينتشر في دول عديدة، ليصبح مناسبة سنوية لتكريم الأبوة وتقدير الرجال الذين يؤدون دور الأب سواءً كانوا بيولوجيين، بالتبني، أو حتى تربويين.

لماذا نحتفل بعيد الأب؟ ما وراء الرمزية

الاحتفال بعيد الأب ليس مجرد

تقليد غربي مستورد، ولا مناسبة تجارية فقط لبيع بطاقات المعايدة أو الهدايا. بل هو فعل يحمل أبعادًا إنسانية وثقافية عميقة، تتداخل فيها القيم الأسرية، والاعتراف، والديناميات الاجتماعية المتغيرة.

1. الاعتراف بالجهد الخفي

في كثير من الأحيان، يظل دور الأب غير مرئي اجتماعيًا، لا سيما في الثقافات التي تحتفي بالأم كرمز للعطاء، بينما يُنظر إلى الأب باعتباره شخصًا “يؤدي واجبه”. في الواقع، يقوم العديد من الآباء بأدوار معقدة تجمع بين الرعاية، التوجيه، الصرامة، والدعم المالي والنفسي. إن عيد الأب يعيد الاعتبار لهذه الأدوار، ويقدم لحظة اعتراف حقيقية.

2. تعزيز صورة الأب الداعم

في السنوات الأخيرة، تحولت النظرة إلى الأبوة من كونها دورًا تقليديًا جامدًا، إلى كونها علاقة مبنية على الدعم العاطفي والحضور الفعّال في حياة الأبناء. الاحتفال بعيد الأب يساعد على تعزيز هذا التحول، ويشجع الرجال على تبني دورهم العاطفي والتربوي داخل الأسرة، وليس فقط دور العائل الصامت.

3. مواجهة التغيرات في بنية الأسرة

مع تزايد عدد الأسر أحادية الوالد، سواءً بسبب الطلاق أو الوفاة أو الاختيار الشخصي، بات مفهوم الأبوة أكثر تعقيدًا. هناك من يلعب دور الأب دون أن يكون الوالد البيولوجي، وهناك من يُربي أبناء زوجته أو أبناء بالتبني. عيد الأب أصبح فرصة للاعتراف بهذه النماذج الجديدة من الرجال الداعمين والآباء غير التقليديين.

الجانب النفسي:
أثر الاعتراف والتقدير

من الناحية النفسية، يحمل عيد الأب تأثيرًا عميقًا على كل من الآباء والأبناء على حد سواء. ففي مجتمعات كثيرة، ينشأ الأبناء وهم يترددون في التعبير عن حبهم لآبائهم بالكلمات، أو قد يفتقرون إلى لغة وجدانية لمخاطبة هذا الرابط. العيد يمنحهم مناسبة مرخصة اجتماعيًا للتعبير، والبوح، والاعتذار أحيانًا.

أما الآباء، فإنهم – غالبًا – لا يتلقون كثيرًا من الامتنان الصريح. لذا، فإن تلقيهم كلمات شكر أو حتى لفتة بسيطة في هذا اليوم يمكن أن يكون له أثر بالغ في تعزيز الصحة النفسية، وتحفيزهم على الاستمرار في دورهم، خصوصًا في ظل التحديات المالية والاجتماعية المتزايدة.

عيد الأب في العالم العربي: واقع منسي أم فرصة للتغيير؟

رغم أن كثيرًا من الدول العربية لا تحتفل بـ عيد الأب على نطاق واسع كما هو الحال في الغرب، إلا أن الوعي يتزايد عامًا بعد عام. فمع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، بات العديد من الأبناء يشاركون صور آبائهم، ويكتبون عن امتنانهم، أو يعبرون عن فخرهم بكونهم "أبناء هذا الرجل".

في السياق العربي، ما زالت هناك تحديات تتعلق بثقافة التعبير العاطفي، حيث يُنظر إلى الرجل غالبًا على أنه رمز للسلطة والصلابة. لكن جيل الشباب اليوم يظهر انفتاحًا أكبر نحو التقدير العاطفي للأب، وهو ما يعزز من قيمة هذا العيد كأداة لإعادة بناء العلاقات الأسرية على أسس من الحنان والاحترام المتبادل.

البُعد التجاري: هل فقد
العيد قيمته؟

من الانتقادات التي توجَّه أحيانًا إلى عيد الأب، كغيره من الأعياد، أنه تحول إلى مناسبة تجارية بحتة، تروج لها المتاجر وشركات الهدايا. في حين أن هذا صحيح جزئيًا، إلا أن القيمة الرمزية تظل حاضرة لدى من يحتفلون به بطرق بسيطة ومعبرة.

لا يحتاج الأب إلى ساعة ثمينة أو ربطة عنق جديدة كي يشعر بأنه مقدَّر. يكفي أن يسمع من ابنه أو ابنته كلمات مثل "أحبك"، أو "أشكرك على كل شيء"، أو حتى جلسة صادقة فيها حديث وذكريات. في النهاية، المغزى الإنساني أعمق من كل المظاهر.

كيف يمكننا الاحتفال بطريقة ذات معنى؟

لجعل عيد الأب أكثر من مجرد منشور فيسبوك أو هدية روتينية، يمكن التفكير في طرق أكثر إنسانية:

قضاء يوم كامل مع الأب، والحديث معه بعيدًا عن الضغوط.

كتابة رسالة بخط اليد، تُعبّر فيها عن تقديرك له.

مشاركة قصة حقيقية على وسائل التواصل الاجتماعي تسلط الضوء على لحظة دعم أو تضحية قام بها الأب.

أخذ الأب في رحلة قصيرة، ولو إلى حديقة قريبة، لتأكيد قيمة الوقت المشترك.

 الاحتفاء بالرموز ليس رفاهية

في عالم يزداد فيه التفكك الأسري، والانشغال، والتغيرات في بنية المجتمع، يصبح الاحتفاء بالأدوار التقليدية – مثل الأبوة – أمرًا ضروريًا للحفاظ على التوازن العاطفي، وترسيخ قيم الامتنان والوفاء. عيد الأب ليس مناسبة هامشية، بل تذكير بأن وراء كل ابن ناجح، وأحيانًا حتى خلف كل أم صامدة، هناك أب كان حاضرًا في الظل.

في زمن أصبح فيه الاعتراف نادرًا، نحتاج إلى أن نقول للآباء: نراك... نُقدّرك... ونحبك، ليس فقط في عيد الأب، بل في كل يوم.

 

تم نسخ الرابط