البقعة الحمراء العظيمة في المشتري: إعصار يستمر منذ 400 عام!

لمحة نيوز

لغز يحير العقول منذ عصر التلسكوبات الأولى

عندما توجّه جاليليو جاليلي تلسكوبه البدائي نحو كوكب المشتري في القرن السابع عشر، لم يكن يعلم أنه فتح الباب لاكتشافاتٍ ستغير فهمنا للنظام الشمسي. لكن اللغز الحقيقي الذي استعصى على تفسيرات ذلك العصر لم يكمن في الأقمار الأربعة التي رصدها، بل في بقعة غامضة ظهرت لاحقاً كعلامة مميزة على وجه العملاق الغازي: البقعة الحمراء العظيمة (Great Red Spot). هذه العاصفة الهائلة، التي تفوق حجم الأرض مرتين ونصف، تدور بعنف منذ ما لا يقل عن أربعة قرون، متحديةً كل قوانين الطبيعة التي نعرفها على كوكبنا. كيف استمرت هذه العاصفة كل هذا الوقت؟ وما الذي يجعلها فريدة في النظام الشمسي؟ هذا المقال يغوص عميقاً في أسرار هذه الظاهرة، مستنداً إلى أحدث الأبحاث العلمية، ليكشف عن قصة لم تُحكَ بعد بالكامل.

الفصل الأول: من الرصد الأول إلى عصر الفضاء — تاريخ البقعة التي لا تموت

1.1 البدايات: بين الخرائط القديمة والجدل العلمي

أولى الملاحظات الموثقة للبقعة تعود إلى عالم الفلك الإنجليزي روبرت هوك عام 1664، الذي وصف بقعةً داكنةً على المشتري. لكن الفضل في تسجيلها بشكل منهجي يعود إلى جوفاني كاسيني في القرن السابع عشر، الذي تتبع حركتها ليدرك أنها تدور مع الكوكب. ومع ذلك، ظل الجدل قائماً حتى القرن التاسع عشر: هل هذه البقعة دائمة أم مؤقتة؟ الإجابة جاءت من مراقبة استمراريتها عبر العقود، مما دفع العلماء

إلى اعتبارها "علامةً دائمة" على الكوكب.

1.2 الثورة التكنولوجية: عندما كشفت التلسكوبات الحديثة تفاصيل مذهلة

مع تطور التلسكوبات في القرن العشرين، بدأت ملامح البقعة تتضح. الصور الأولى من مرصد لويك في كاليفورنيا أظهرت دوامة بيضاوية الشكل، لكن اللون الأحمر المميز ظل لغزاً. التفسيرات المبكرة تراوحت بين تأثيرات كيميائية ناتجة عن البرق إلى تفاعلات المواد العضوية في الغلاف الجوي. لكن الأمر الأكثر إثارة كان حجمها المتقلب: فمنذ أوائل القرن العشرين، تقلص قطر البقعة من 40,000 كم إلى نحو 16,000 كم اليوم، وفق بيانات تلسكوب هابل.

 

الفصل الثاني: تشريح العاصفة — ما الذي يجعل البقعة الحمراء فريدة؟

2.1 الديناميكا الغازية: لماذا لا تختفي العاصفة؟

على الأرض، تضعف الأعاصير بسبب احتكاكها مع اليابسة أو المياه الباردة. لكن المشتري كوكب غازي بلا سطح صلب، مما يسمح للعاصفة بالدوران بحرية لقرون. وفقاً لمحاكاة أجرتها جامعة كالتك، فإن تفاعل التيارات النفاثة الشرقية والغربية حول البقعة (المعروفة باسم "أحزمة السحب") يعيد تغذية الطاقة إليها باستمرار. هذه التيارات، التي تتحرك بسرعات متفاوتة تصل إلى 100 م/ث، تعمل كحاضنات دوامات، تمنح البقعة "طعاماً" من الغازات الدافئة والباردة.

2.2 الكيمياء اللونية: سر اللون الأحمر

اللون القرمزي للبقعة، الذي يتقلب بين الباهت والواضح عبر السنين، يُعتقد أنه ناتج عن مركبات كبريتية أو

فوسفورية تتفاعل مع الأشعة فوق البنفسجية القادمة من الشمس. تجارب معملية في جامعة إيموري أظهرت أن تعريض غاز الأمونيا وأستيلين (C₂H₂) للأشعة فوق البنفسجية ينتج مواد حمراء تشبه تلك في البقعة. لكن دراسة حديثة نُشرت في Nature Astronomy (2023) تشير إلى دور محتمل لـ"الثلوج الحمراء" المتكونة من كلوريد الأمونيوم، التي ترتفع من طبقات الجو العميقة أثناء اضطرابات العاصفة.

2.3 الحرارة الداخلية: المحرك الخفي للبقعة

المشتري يطلق حرارة داخلية تعادل ضعف ما يستقبله من الشمس، بسبب عملية انضغاط الجاذبية المستمرة منذ تشكله قبل 4.5 مليار سنة. هذه الحرارة تولد تيارات حمل حراري عنيفة في الغلاف الجوي، تُغذي العواصف. 

الفصل الثالث: البقعة في سياقها الكوني — مقارنات مع عواصف الكواكب الأخرى

 

الحجم الهائل: كتلة العاصفة تعادل تريليونات الأطنان، مما يعطيها قصوراً ذاتياً يقلل من تأثير الاحتكاك.

الدوران السريع للمشتري: يوم المشتري يستغرق 10 ساعات فقط، مما يولّد قوى كوريوليس هائلة تُحافظ على استقرار الدوامات.

3.2 عواصف الكواكب الأخرى: من زحل إلى نبتون

المشتري ليس الكوكب الوحيد ذا العواصف العملاقة. على زحل، رُصدت دوامات مستطيلة الشكل بالقرب من القطب الشمالي، بينما يملك نبتون "البقعة المظلمة العظيمة"، وهي إعصار اختفى ثم عاود الظهور. لكن كل هذه العواصف قصيرة العمر مقارنةً بالبقعة الحمراء، مما يطرح سؤالاً: هل

هناك عوامل جيوفيزيائية فريدة في المشتري سمحت لهذا الإعصار بالاستمرار؟

الفصل الرابع: مستقبل البقعة — بين التقلص والخلود

4.1 لماذا تتقلص البقعة؟ نظريات تفسر التحولات الحديثة

منذ القرن التاسع عشر، تقلص قطر البقعة بنسبة 60%. بعض النماذج تشير إلى أن التيارات النفاثة المحيطة تسرق منها الطاقة، بينما يرى آخرون أن تغيرات في كيمياء السحب العلوية تقلل من وضوحها. لكن دراسة بقيادة د. أندرو إنغرسول (2022) تقترح أن التقلص ظاهري فقط؛ فالعاصفة تزداد عمقاً مع تقلص مساحتها السطحية، مثل بالون يُضغط رأسيًا.

4.2 هل ستنتهي البقعة يوماً؟ سيناريوهات محتملة

رغم مرونتها، تشير حسابات ديناميكا الموائع إلى أن التقلص قد يستمر حتى تصبح البقعة دائرية الشكل، وهو ما قد يجعلها تفقد استقرارها. لكن احتمالية اختفائها تماماً ضعيفة، لأن بيئة المشتري الغنية بالطاقة قد تلد عواصف جديدة. المراقبة المستمرة عبر تلسكوب جيمس ويب الفضائي قد تكشف تفاصيل جديدة عن مصيرها.

الخاتمة: البقعة الحمراء كمرآة لفهم كواكب الكون

البقعة الحمراء العظيمة ليست مجرد عاصفة غريبة، بل مختبر طبيعي لفهم فيزياء الغلافات الجوية للكواكب خارج النظام الشمسي. استمراريتها رغم كل التقلبات تذكرنا بأن قوانين الطبيعة، رغم عموميتها، يمكن أن تنتج ظواهر فريدة في ظروف خاصة. ربما، كما قال عالم الكواكب د. سكوت بولتون، قائد فريق مسبار جونو: "المشتري لا يخبرنا فقط عن نفسه، بل

عن كل الكواكب التي تدور حول نجوم أخرى... والبقع الحمراء التي قد تختبئ في غيومها".

تم نسخ الرابط