وجه المريخ؟ أشهر أوهام البصر في الفضاء!

لمحة نيوز

في فضاءٍ مترعٍ بالغموض، يميل العقل البشري بطبيعته إلى انتقاء أنماط مألوفة—وخاصة الوجوه—حتى من بين التضاريس الصخرية في الكواكب الأخرى. تُعرف هذه الظاهرة باسم «التخيّل الوجهي» (Pareidolia)، حيث يرى الدماغ وجوهاً أو أشكالاً مألوفة في أنماطٍ صدفةٍ. يستعرض هذا المقال أبرز الأمثلة الفضائية على التخيّل الوجهي، الآليات النفسية والبصرية التي تقف وراءها، وكيف فندها العلم ووكالات الفضاء.

1. أشهر أوهامٍ على المريخ

1.1 منظر «وجه المريخ» في كيدونيا

عام 1976 سلّمت مركبة “فايكنج 1” صوراً لمنطقة كيدونيا أظهرَت تضاريس تبدو شبيهة بوجهٍ بشري، من جبهةٍ وعينين وأنفٍ وفمٍ منحوتين على «هضبة» ضخمة. أثار هذا المشهد تكهناتٍ عن حضارةٍ مريخية قديمة، قبل أن تثبت دراسات لاحقة أن الأمر مجرد وهمٍ بصري ناجمٍ عن زاوية الضوء والظل.

1.2 التحقق بالمسوحات الحديثة

لأنماط الإضاءة تأثيرٌ كبير،

أعادت مركبات Mars Global Surveyor وMars Reconnaissance Orbiter تصوير المنطقة بزوايا عالية الدقة، فبان بوضوح أن «الوجه» هضبةٌ طبيعية تماماً، وأن أي شبهٍ يختفي عند تغيير اتجاه التصوير أو تدوير الصورة 180°.

1.3 أمثلة أخرى على المريخ

صخرةٌ تشبه وجه دبّ.

تضاريس تشبه وجه إنسان مخفيٍّ في رمالٍ متحركة.

تكوينات صخرية استحالت لوهلة «قطة» أو «سلطعون» عند النظر إليها عبر كاميرات مختلفة.

2. كيف ينشأ التخيّل الوجهي في دماغنا؟

2.1 الأساس العصبي للتعرف على الوجوه

تُعدّ سرعة تمييز الوجوه ميزةً تطورية تساعد البشر على التعرّف على الآخرين، لكن بالمقابل تدفعنا هذه الآلية إلى إسقاط الأنماط الوجهيّة حتى عندما لا تكون واضحةً. يبدأ المعالج البصري في القشرة القذالية بفرز الأشكال العامة، ثم يتولى الـ fusiform gyrus مهمة «التأكد» من أنها وجوه.

2.2 الإضاءة والظلّ كلاعبين أساسيين

تلعب

زاوية سقوط الضوء وسمكه دوراً حاسماً: حيث تكفي فروقات بسيطة في التباين بين المسطّح المضيء والمساحة المظلمة لخلق وهمٍ قوي، كما حصل مع هضبة كيدونيا.

3. أوهام فضائية أخرى

3.1 على قمر الأرض

ظهرت في بعض الصور القمرية ظلالٌ تشبه أرنباً، أو حتى وجه عجوزٍ حكيم، جراء تفاعل الضوء مع تسارُّبات الحفر والفجوات.

3.2 زخارف سحب المشتري

يتكوّن الغلاف الجوي للكوكب العملاق من تياراتٍ هوائية عنيفة؛ وعند تصويرها تبرز دوامات تشبه عيوناً أو أشكالاً هندسية، لكنها ليست سوى تحوّلات سحابية.

4. بين الإعلام والعلم

4.1 تشجيع نظريات المؤامرة

استغل بعض الإعلاميين صورَ مثل «وجه المريخ» لبثّ أخبارٍ عن حضاراتٍ مريخية قديمة، دون الانتظار لنتائجٍ علمية موثوقة، ما غذّى التكهنات وجذب اهتمام العامة.

4.2 دور وكالات الفضاء

حرصت ناسا والوكالة الأوروبية للفضاء على نشر نماذج ثلاثية الأبعاد وإعادة

مسح التضاريس بإضاءاتٍ مختلفة، موضحةً أن هذه الأوهام ليست نتاج معماري ذكي، بل نتيجة طبيعية لدقة التصوير المحدودة أول الأمر.

5. لماذا نستمرّ في رؤية هذه الأوهام؟

5.1 فوائد تطورية

سريعاً ما اكتسب الإنسان مهارة تمييز الوجوه لتلافي الأخطار وبناء العلاقات الاجتماعية؛ لكن هذا الأمر يتحوّل إلى وهمٍ بصريٍ عندما تقلّ جودة الإشارات البصرية.

5.2 متعة الاستكشاف والغموض

تغذي هذه الأوهام شغفنا بالبحث والاستكشاف، فتثير سؤال وجود حياة خارج الأرض، حتى وإن أرسى العلم حقيقة أنها مجرد ظواهر طبيعية.

6. الخلاصة

أوهام التخيّل الوجهي في الفضاء—متمثلة في «وجه المريخ» وغيرها—تُعبّر عن تفاعلٍ معقد بين آليات الدماغ والإضاءة والظل والتضاريس، وتذكرنا بأهمية الدقة التصويرية والتفسيرات العلمية المدعومة بالأدلة عند استكشاف الكون. تظل ظاهرة Pareidolia جزءاً مسلّياً ومثيراً لفضولنا، لكن العلم

وحده قادر على كشف الستار عن الحقيقة وراء هذه الأوهام.

تم نسخ الرابط