8مايو عام ١٩٤٥، انتهت الحرب العالمية الثانية في أوروبا

لمحة نيوز

8 مايو 1945: اليوم الذي صمتت فيه المدافع في أوروبا

نهاية حربٍ عالمية أشعلت القارة العجوز وأعادت رسم ملامح العالم

في مثل هذا اليوم، الثامن من مايو عام 1945، سجّل التاريخ نهاية واحدة من أكثر الحروب دموية ودمارًا في تاريخ البشرية: الحرب العالمية الثانية في أوروبا. ففي لحظة حُفرت في ذاكرة الشعوب، أعلن الحلفاء استسلام ألمانيا النازية دون قيد أو شرط، لتتوقف آلة الحرب التي حصدت أرواح عشرات الملايين، وأعادت تشكيل السياسة، والحدود، والوعي الجماعي للأمم.

لحظة النصر... التي تأخرت كثيرًا

كان المشهد عالميًا بحق: قوات الاتحاد السوفييتي تقترب من برلين من الشرق، بينما زحفت القوات الأميركية والبريطانية من الغرب، وفي خضمّ هذه التطورات، لم يعد أمام القيادة النازية المهزومة سوى الاعتراف بالهزيمة الكاملة. وبعد انتحار أدولف هتلر في 30 أبريل 1945، تولّى الأدميرال كارل دونيتس قيادة ألمانيا، وبدأ التفاوض على الاستسلام.

احتفالات في العواصم الأوروبية... ودموع في العيون

مع إعلان الاستسلام،

عمّت مشاهد الفرح شوارع لندن وباريس وموسكو، حيث خرج الملايين للاحتفال بالنصر، وقد ارتسمت على وجوههم ملامح الراحة والدهشة في آنٍ واحد. في لندن، خاطب رئيس الوزراء ونستون تشرشل الجماهير قائلاً: لقد انتهت الحرب في أوروبا، بينما شاركت العائلة المالكة البريطانيين لحظات النصر وسط العاصمة.

وفي فرنسا، التي عانت ويلات الاحتلال النازي، تحوّلت شوارع باريس إلى مهرجانات فرح وطنية، ارتفعت فيها الأعلام وترددت فيها أغاني التحرير. أما في موسكو، فقد شهدت الساحة الحمراء احتفالات ضخمة، لكنها تأخرت 24 ساعة بسبب الفارق الزمني بين أوروبا الغربية والاتحاد السوفييتي، ليصبح 9 مايو هو يوم النصر المعتمد في روسيا حتى اليوم.

ثمن الانتصار: 60 مليون قتيل وخراب شامل

رغم البهجة التي رافقت إعلان النصر، إلا أن الكلفة الإنسانية للحرب ظلت حاضرة في أذهان الجميع. تشير التقديرات إلى أن الحرب العالمية الثانية أودت بحياة أكثر من 60 مليون شخص، بين عسكريين ومدنيين، من بينهم حوالي 6 ملايين يهودي قضوا في المحرقة النازية.

كما دُمرت مدن بكاملها مثل وارسو، وبرلين، ودريسدن، وبُعثرت أسرٌ بأكملها، وتحوّلت أوروبا إلى قارة مليئة بالألغام والجراح، سواء المادية أو النفسية. ونتيجة لتلك الأهوال، ظهرت الحاجة إلى نظام عالمي جديد يمنع تكرار المأساة، فكانت الأمم المتحدة إحدى ثمار هذا الإدراك الجماعي.

نهاية الحرب... بداية لحربٍ أخرى باردة

لم تمضِ سوى أيام على استسلام ألمانيا، حتى بدأت بوادر توتر جديد تلوح في الأفق بين المنتصرين أنفسهم. فقد بدأت العلاقات بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة وبريطانيا في التصدّع، لينشأ ما عُرف لاحقًا بـ الحرب الباردة، وهي مواجهة أيديولوجية واقتصادية وسياسية استمرت لعقود، وأثّرت بشكل جذري على السياسات الدولية خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

ألمانيا نفسها قُسّمت إلى مناطق نفوذ بين الحلفاء، ما أدى إلى ولادة دولتين: ألمانيا الغربية (الرأسمالية)، وألمانيا الشرقية (الاشتراكية)، في تجسيد فعلي لانقسام العالم إلى معسكرين متنافسين.

الذكرى... ما بين الذاكرة والانقسام

يُحيي

الأوروبيون اليوم الثامن من مايو باعتباره يوم النصر في أوروبا، وتُنظم فعاليات رسمية في عدة دول لتكريم الجنود والمدنيين الذين فقدوا أرواحهم. لكن الاحتفال لا يخلو من الجدل، إذ تختلف الروايات التاريخية بين الدول، كما أن بعض الشعوب، خاصة في أوروبا الشرقية، تعتبر نهاية الحرب بدايةً لحقبة أخرى من الاحتلال أو التبعية السياسية.

في ألمانيا نفسها، ظلّ يوم النصر موضوعًا حساسًا لعقود، قبل أن يتحوّل إلى فرصة للتفكّر في الماضي، وتأكيد الالتزام بالديمقراطية، والسلام، وحقوق الإنسان.

 دروس لا تزال حاضرة

مرّ على نهاية الحرب العالمية الثانية في أوروبا ثمانون عامًا تقريبًا، لكن ذكراها لا تزال حيّة. فهي تذكيرٌ دامغ بما يمكن أن يؤدي إليه التطرف، والطغيان، والصمت الدولي عن الظلم. وهي أيضًا شهادة على قدرة الشعوب على النهوض من تحت الركام، وبناء مستقبل أكثر إنسانية.

في الثامن من مايو كل عام، لا يُحتفل فقط بنهاية حرب، بل بإرادة الحياة، وبقوة الذاكرة الجماعية في مواجهة النسيان. هو اليوم الذي

صمتت فيه المدافع، لكن رسائله لا تزال تُسمع حتى الآن.

تم نسخ الرابط