غسل الأموال في العراق باستخدام المهر و القضاء يتحرك

لمحة نيوز

يتناول هذا المقال ظاهرة غسل الأموال في العراق عبر استخدام نظام الحوالة (المعروف باسم “المهر” في عقود الزواج الوهمية) كآلية لتحويل وتبييض الأموال غير المشروعة، بالإضافة إلى الإجراءات القضائية والتحركات الأخيرة لمنع واستقصاء هذه العمليات. يشير المقال إلى التوجيه الصادر عن المجلس القضائي الأعلى العراقي الذي حدد ضوابط للإقبال على “المهر الكبير” في عقود الزواج، وتكليف القضاة بالتحقيق في مصدر الأموال المعلنة، وتحويل الملفات المشبوهة إلى مكتب مكافحة غسل الأموال، فضلًا عن دور الجهات الرقابية الدولية والمحلية في رصد وتقصي شبكات الحوالة، ووضع العراق ضمن قوائم الدول التي تواجه تحديات كبيرة في مكافحة غسل الأموال.

الحوالة كنظام نقدي بديل

تُعدّ الحوالة نظامًا تقليديًا لتحويل الأموال يعتمد على الثقة بين الوسطاء دون تحويل فعلي للنقد عبر الحدود الرسمية. يستخدمه المهاجرون والقطاع التجاري والنشطاء السياسيون في الشرق الأوسط وآسيا لتسهيل تحويل الأموال بسرعة وبتكاليف منخفضة مقارنةً بالبنوك التقليدية.

آلية عمل الحوالة

يقوم المُرسِل بتسليم مبلغ نقدي إلى وسيط محلي (الحوالجي)، ويُبلِّغ الحوالجي شريكه في البلد المستلم بإعطاء المبلغ

للمستفيد مقابل رمز أو كلمة سرّية.

لا يتم تسجيل العمليات رسميًّا في النظام المصرفي، مما يمنح مزيدًا من السرية ويعقّد تتبع الأموال من قِبَل السلطات. 

استخدام “المهر” كغطاء لغسل الأموال

ازداد توظيف الحوالة ضمن عقود الزواج الوهمية عبر الإعلان عن مهرٍ مبالغ فيه يستحيل دفعه، ليُستخدم كوسيلة لغسل رؤوس أموال متأتية من الفساد والأنشطة الإجرامية. في حالات عدة، يقوم المتورطون برفع قيمة المهر عما هو شائع محليًا، ما يثير تساؤلات الجهات القضائية عن مصدر الأموال وحقيقتها.

التوجيه القضائي للتحرك ضد “المهر المشبوه”

أصدر المجلس القضائي الأعلى العراقي توجيهًا، يقضي بما يلي:

التحقيق في حالات المهر المرتفع: على القاضي أن يطلب من الطرفين شرحًا مكتوبًا لمصدر الأموال المعلنة كمهر قبل إتمام عقد الزواج، يتضمن توقيعهما معًا.

إجراءات الإحالة لمكتب مكافحة غسل الأموال: إذا شكَّ القاضي في عدم وجود نية حقيقية للزواج أو اعتبر العقد غطاءً لغسل الأموال، عليه إحالة ملف القضية إلى مكتب مكافحة غسل الأموال لإجراء التحقيقات اللازمة.

التنسيق مع الجهات الأمنية: يشمل التنسيق تبادل المعلومات مع الأجهزة الرقابية مثل الهيئة العقابية العليا

ومصلحة الجمارك والهيئة العامة للضرائب.

دور الجهات الرقابية والمؤسسات الدولية

تلقى العراق دعمًا وملاحظات من جهات دولية أبرزها فريق العمل المالي (FATF) وبرنامج الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة والمخدرات (UNODC)، حيث أشار تقرير FATF الصادر في مايو 2024 إلى ضرورة تعزيز التعاون بين الأجهزة القضائية ومراقبة أنشطة الحوالة غير الرسمية . كما أكدت الأمم المتحدة أن أنظمة الحوالة تستخدم بشكل متزايد لغسيل أموال الإرهابيين والمهربين .

التحديات الراهنة

ثقافة السرية وعدم الاستناد على السجلات المصرفية: يفضل مستخدمو الحوالة عدم اللجوء للبنوك الرسمية خشيةَ الرقابة أو غرامات التحويل.

التنسيق الضعيف بين الجهات: رغم وجود أكثر من جهة قضائية ورقابية، إلا أن تبادل المعلومات بين المصرف المركزي ومكتب مكافحة غسل الأموال والنيابات لم يصل بعدُ إلى المستوى الأمثل.

التضخم الاقتصادي وتذبذب سعر الصرف: استغلال الفارق بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق السوداء بقيمة تتراوح بين 1,320 و1,500 دينار للعراق، ما يتيح مكاسب إضافية لغاسلي الأموال.

تحركات مصرفية وسياسية

ضغطت الولايات المتحدة على البنوك العراقية، خاصة الخاصة، لتشديد مراقبة

التحويلات بحجة قطع الدعم المالي لإيران وميليشياتها في العراق، حيث يُقدَّر حجم غسل الأموال عبر المصارف العراقية لصالح طهران بنحو 300 مليون دولار يوميًا . وقد طالبت واشنطن المصرف المركزي العراقي بفرض قيود إضافية وتحرير قوائم سوداء للبنوك المخالفة. 

خاتمة وتوصيات

يشكل نظام الحوالة، وخاصة آلية “المهر العالي” في عقود الزواج الوهمية، تحديًا رئيسيًا أمام جهود مكافحة غسل الأموال في العراق. وللحدّ من هذه الظاهرة، يُوصى بما يلي:

تعزيز الرقابة القضائية: تدريب القضاة على التعرف إلى أنماط غسل الأموال عبر الحوالة وإلزام المتعاملين بالإفصاح عن مصادر الأموال.

تقوية التنسيق بين الجهات: إنشاء منصة إلكترونية مشتركة بين القضاء، ومكتب مكافحة غسل الأموال، والمصرف المركزي للربط الفوري للبيانات.

حملات توعية مجتمعية: نشر الثقافة المصرفية وأضرار التعامل غير الرسمي، وتوعية المجتمع بخطورة غسل الأموال على الاقتصاد الوطني.

مراجعة التشريعات المالية: تحديث قانون مكافحة غسل الأموال ليتضمن عقوبات صارمة على استخدام الحوالة التقليدية في غسل الأموال.

باتخاذ هذه الإجراءات وتطبيق التوجيه القضائي الصادر مؤخرًا، يمكن للعراق تقليص مساحة

المناورة المتاحة لغاسلي الأموال واستعادة الثقة في النظام المصرفي والقضائي.

تم نسخ الرابط