اتفاق واشنطن وبكين ينقذ محصول الفستق الأميركي
اتفاق واشنطن وبكين ينقذ محصول الفستق الأميركي: تجارة الذهب الأخضر تعود للحياة
بعد شهور من التوترات التجارية التي كادت تعصف بأحد أكثر القطاعات الزراعية ربحًا في الولايات المتحدة، أعلنت واشنطن وبكين عن التوصل إلى اتفاق تجاري جديد يعيد فتح أبواب السوق الصينية أمام الفستق الأميركي، في خطوة وصفت بأنها "شريان حياة" للمزارعين الأميركيين في كاليفورنيا، وللاقتصاد الزراعي المتأرجح في الغرب الأميركي.
ويأتي هذا الاتفاق بعد مفاوضات استمرت لأسابيع بين كبار المفاوضين التجاريين في البلدين، انتهت بإزالة الرسوم الجمركية الإضافية التي فرضتها بكين في وقت سابق على واردات الفستق، مقابل تسهيلات أميركية على واردات إلكترونية صينية، في إطار إعادة بناء التوازن التجاري بين القوتين.
الفستق... ذهب كاليفورنيا الأخضر
يُعرف الفستق في الأوساط الزراعية الأميركية بـ"الذهب الأخضر"، ليس فقط بسبب لونه أو مذاقه الفاخر، بل لأن هذه المكسرات الصغيرة تدرّ مليارات الدولارات سنويًا على الاقتصاد الأميركي، خاصة في ولاية كاليفورنيا التي تنتج نحو 99% من المحصول الوطني، وتُعد أكبر مصدر للفستق في العالم.
لكن هذا الذهب الأخضر كاد يفقد بريقه، عندما فرضت الصين – أكبر مستورد
مزارعون تنفسوا الصعداء
مع إعلان الاتفاق، سادت حالة من الارتياح في أوساط المزارعين الأميركيين الذين عانوا من اضطرابات السوق، خاصة بعد موسم حصاد قوي في 2024 قابله طلب خارجي ضعيف.
يقول جون كارتر، مزارع فستق من منطقة تولاري في كاليفورنيا:
"كنا على وشك كارثة. المحصول كان ممتازًا، لكن لم يكن هناك من يشتريه. هذا الاتفاق أنقذنا في اللحظة الأخيرة."
ويضيف:
"السوق الصينية ليست مجرد مشترٍ كبير، بل هي شريك استراتيجي، يعرف جودة منتجنا، ويقدّره."
كيف أعاد الاتفاق رسم خارطة التجارة؟
الاتفاق الجديد لا يتوقف عند إزالة الرسوم فقط، بل يتضمن أيضًا تعديلات في أنظمة التفتيش والتغليف والشحن تضمن وصول الفستق الأميركي إلى الموانئ الصينية بشكل أسرع، وبشروط تنافسية أفضل.
وقد وافقت الولايات المتحدة على استحداث آليات رقابة صحية إضافية على الشحنات الزراعية الموجهة إلى الصين، مقابل التزام بكين برفع الحظر عن عدد من شركات التصدير الأميركية التي كانت مُدرجة
ويعتقد محللون أن هذا الاتفاق قد يعيد الصادرات الأميركية من الفستق إلى مستويات ما قبل الحرب التجارية، والتي بلغت أكثر من 1.5 مليار دولار سنويًا.
رسالة سياسية... قبل أن تكون اقتصادية
يرى المراقبون أن الاتفاق يحمل أبعادًا تتجاوز الاقتصاد، فهو رسالة تهدئة سياسية بين واشنطن وبكين، تعكس رغبة الطرفين في خفض حدة التصعيد، خاصة مع قرب انعقاد قمة العشرين المقبلة، والتي من المتوقع أن تُسلّط الضوء على الاستقرار في سلاسل الإمداد العالمية.
وتقول الخبيرة التجارية إلين برادشو:
"الفستق ليس وحده الرابح، هذا الاتفاق قد يشكل نموذجًا لما يمكن تحقيقه إذا وُجدت الإرادة السياسية. هو عينة مصغّرة من كيف يمكن للتعاون أن يعالج أزمات معقدة."
عودة الفستق الأميركي إلى أرفف الصين
في الأسواق الصينية، يبدو أن الفستق الأميركي لم يفقد شعبيته رغم الغياب المؤقت. تجار الجملة في شنغهاي وبكين عبّروا عن سعادتهم بالأنباء، خاصة أن المستهلك الصيني بات يميز بين أنواع الفستق ويُفضّل الأميركي منها لجودته العالية ونكهته المميزة.
يقول لي وينغ شو، تاجر تجزئة في سوق وانغفوجينغ:
"العملاء يسألون دائمًا عن الفستق الأميركي، إنه الأغلى لكنه الأفضل.
ويتوقع مراقبون أن تعود منتجات الفستق الأميركي إلى الواجهة في الأسواق الصينية خلال أسابيع، خصوصًا مع اقتراب المواسم الاستهلاكية الكبرى مثل "عيد منتصف الخريف" و"رأس السنة القمرية"، حيث ترتفع مبيعات المكسرات بشكل كبير.
الزراعة الأميركية تستعيد ثقتها
الاتفاق التجاري يعيد كذلك بعض الثقة المفقودة إلى القطاع الزراعي الأميركي، الذي لطالما شعر بأنه كبش فداء في الحروب التجارية الكبرى. فالمزارعون الذين اضطروا لبيع محاصيلهم بأسعار أقل أو إبقائها في المستودعات، يأملون أن يكون هذا الاتفاق نقطة تحول في مستقبل العلاقة مع الصين.
ويأمل اتحاد منتجي الفستق الأميركي أن تُترجم هذه الخطوة إلى عقود طويلة الأمد، مع تعزيز برامج الترويج في السوق الصينية، وتحسين البنية التحتية اللوجستية لتقليل التكاليف وتحسين الربحية.
في الختام: مكسرات... تصنع السياسة
قد تبدو حكاية الفستق الأميركي شأنًا زراعيًا بحتًا، لكنه في الواقع نموذج مصغر عن تداخل السياسة بالتجارة، والريف بالعواصم الكبرى، والمزارع البسيط بمفاوضات القمم الدولية.
وفي عالم تتشابك فيه المصالح، يصبح كل منتج — حتى لو كان حبة فستق — بطاقة
ويبقى الأهم: أن الثقة، مثل الفستق، ثمينة… وسهلة الكسر إن لم تُحفظ بعناية.