فرنسا تفكر في ترحيل سجناء أجانب إلى دولة ثالثة تأثراً بعدوى ترامب

لمحة نيوز

في تحرك يفتح باباً واسعاً للنقاش الحقوقي والسياسي، أعلنت الحكومة الفرنسية أنها تدرس مقترحاً جديداً يهدف إلى نقل السجناء الأجانب إلى دول أوروبية شرقية، في خطوة تسعى من خلالها لمعالجة الأزمة المتفاقمة داخل السجون الفرنسية، التي تعاني منذ سنوات من اكتظاظ شديد وارتفاع متزايد في عدد النزلاء مقارنة بالسعة الرسمية لمراكز الاحتجاز.

تصدير السجناء: فكرة تثير الجدل

وزير الداخلية الفرنسي، جيرالد دارمانان، كشف في مارس الماضي، خلال مقابلة ، أن الحكومة تدرس بجدية إمكانية تصدير عملية احتجاز السجناء إلى دول أخرى، بما يسمح بتخفيف الضغط الكبير على المنظومة السجنية داخل البلاد. وقال دارمانان إن هذه الخطوة قد تكون جزءاً من حزمة  تهدف إلى إصلاح حقيقي وعميق في ملف العقوبات الجنائية وتنفيذها، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بالسجناء من غير الفرنسيين.

وفيما يبدو أن الفكرة لم تعد مجرد اقتراح عابر،  الإدارة العامة للسجون بالتعاون مع إدارة الشؤون الجنائية والعفو تدرس حالياً الأطر القانونية التي قد تسمح بتنفيذ مثل هذا الإجراء، سواء من خلال القوانين المعمول بها حالياً، أو عبر سنّ تشريع جديد يفتح المجال أمام توقيع اتفاقيات ثنائية مع دول خارج

الاتحاد الأوروبي أو من داخله، وتحديداً في أوروبا الشرقية.

ماكرون يفتح الباب... والدنمارك كانت السَّبّاقة

اللافت أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لم يُبدِ تحفظاً كبيراً على هذه الفكرة، بل بدا متفهماً لها، حيث صرّح في مقابلة مطولة مع قناة TF1 بأن استئجار أماكن احتجاز في الخارج قد يكون حلاً مطروحاً إذا دعت الحاجة.

 وأشار ماكرون إلى أن بلداناً أوروبية أخرى، مثل الدنمارك، سبقت فرنسا في هذا المضمار، حيث قامت في وقت سابق بنقل مجموعة من سجناءها إلى كوسوفو في إطار اتفاق خاص.

هذا التصريح الرئاسي أعطى زخماً أكبر للنقاش، وفتح المجال أمام الجهات المعنية داخل وزارة العدل الفرنسية لدراسة كافة الجوانب القانونية والمالية والإنسانية المتصلة بتطبيق هذا النموذج.

اكتظاظ السجون: أزمة متجذّرة تتطلب حلولاً جذرية

الأزمة التي دفعت فرنسا للتفكير في مثل هذا الحل الجذري ليست وليدة اللحظة. فبحسب الإحصاءات الرسمية، تحتجز السلطات الفرنسية حالياً نحو 83 ألف سجين، بينما لا تتسع البنية التحتية الحالية في السجون سوى لنحو 62 ألف نزيل فقط، ما يعني وجود فائض يقارب 21 ألف شخص، يعيشون في ظروف صعبة، ما ينعكس سلباً على أوضاعهم النفسية والصحية،

فضلاً عن تزايد أعمال العنف والتمرد داخل بعض المؤسسات العقابية.

وكان الرئيس ماكرون قد تعهّد في عام 2017 ببناء 15 ألف مكان احتجاز جديد ضمن خطة وطنية لتوسيع البنية التحتية السجنية، إلا أن ما تحقق فعلياً حتى الآن لم يتجاوز 5 آلاف مكان فقط، بحسب ما صرّح به روبير مينار، رئيس بلدية مدينة بيزييه، في حديث مباشر مع الرئيس، ضمن لقاء جمعه بمسؤولين محليين ناقشوا ملف الأمن والعدالة.

ترحيل السجناء: هل تسير فرنسا على خُطى ترامب؟

هذه الخطوة المثيرة للجدل أعادت إلى الأذهان قرارات اتخذتها إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، الذي لم يتردد في استخدام قوانين قديمة وغير معتادة لتبرير إجراءات مشددة تجاه المهاجرين والسجناء الأجانب.

 ففي 15 مارس 2020، استعانت إدارة ترامب بقانون يعود للقرن الثامن عشر، لتبرير ترحيل أكثر من 200 شخص يُشتبه بانتمائهم إلى عصابات إجرامية، نحو سجن شديد الحراسة في السلفادور، في خطوة انتقدتها منظمات حقوقية ووصفتها بأنها تفتقر للشفافية وتخرق المعايير الدولية للعدالة.

وبينما لم تصل فرنسا بعد إلى تطبيق فعلي لهذه السياسة، فإن مجرد طرحها للنقاش يثير تخوفات المنظمات الحقوقية، التي ترى أن هذا النوع من

الخصخصة العابرة للحدود للعقوبات، قد يؤدي إلى انتهاكات حقوق الإنسان، خصوصاً إذا تم ترحيل السجناء إلى دول لا تمتلك نفس المعايير القانونية والحقوقية السائدة في فرنسا.

التكلفة... والاعتبارات الأخلاقية

على الرغم من أن الحكومة الفرنسية لم تُفصح حتى الآن عن التكلفة المتوقعة لمثل هذه الخطوة، فإن استئجار سجون في الخارج سيكون مكلفاً مالياً، لكنه قد يُعد أقل تكلفة من بناء مراكز احتجاز جديدة داخل فرنسا في المدى القصير. غير أن النقاش لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد إلى اعتبارات أخلاقية وسياسية، تتعلق بمدى احترام حقوق السجناء، وضمان مراقبة ظروف احتجازهم في الدول المستضيفة.

خاتمة: نموذج جديد أم سابقة خطيرة؟

يبقى السؤال الأهم مطروحاً: هل تسعى فرنسا فعلاً إلى تصدير مشكلاتها الداخلية إلى الخارج، عبر إجراءات قد تبدو جذابة من الناحية الإدارية، لكنها معقدة من حيث التبعات السياسية والإنسانية؟ أم أن هذه الخطة تمثل مجرد حل مؤقت لأزمة بنيوية تحتاج إلى إصلاح عميق في النظام القضائي والسجني الفرنسي؟

في كل الأحوال، فإن قراراً كهذا  إن تم تنفيذه سيكون سابقة لافتة في السياسة العقابية الأوروبية، وسيفتح فصلاً جديداً من النقاش حول

مستقبل العدالة في فرنسا وحدود الدولة في التعامل مع التزاماتها الحقوقية داخل وخارج أراضيها.

تم نسخ الرابط