وزير الداخلية الفرنسي يدعو لتشديد معايير الحصول على الجنسية الفرنسية
في الأيام القليلة الماضية، دعا وزير الداخلية الفرنسي، برونو ريتايّو، إلى تشديد معايير الحصول على الجنسية الفرنسية عبر تعميم مذكرة صادرة في 2 مايو 2025 تُلزم جميع المحافظين (préfectures) بمراجعة طلبات التجنيس وفق معايير أكثر صرامة. وتشمل الإجراءات الجديدة رفع مستوى إجادة اللغة الفرنسية، وزيادة مدة الإدماج المهني، وإدخال “اختبار مدنيّ” يقيس فهم المتقدمين للقيم الجمهورية وتاريخ فرنسا. وقد طغت هذه الخطوة على النقاشات الوطنية حول الهوية والاندماج، حيث اعتبرها بعض الساسة ممثلة لخطّ متشدد في سياسة الهجرة، في حين رأى فيها آخرون تجسيداً لسيادة الحكومة وحقّها في ضبط منح الجنسية وفق أولويات بلدها.
سياق الدعوة وتظاعُف وتيرة التشديد
المبادرة والمرجعية القانونية
في 2 مايو 2025، وجّه وزير الداخلية مذكرة (circulaire) إلى جميع المحافظين لإلزامهم بتطبيق نصوص القانون الجاري بحذافيرها، مع تشديد “شبكة المعايير” المعتمدة عند دراسة ملفات التجنيس . وتأتي هذه المذكرة في سياق انخراط الحكومة الفرنسية، بقيادة رئيس الوزراء والحزب الحاكم، في سياسة متشددة تجاه الهجرة الطبيعية واللاجئين منذ مطلع 2024، مستندة إلى القانون الصادر آنذاك في إطار وزارة
دوافع الإجراء وتوقيته
أوضح ريتايّو، من مقر محافظة فال دو مارن في كريتيي يوم 5 مايو، أن الهدف هو “الحفاظ على سيادة فرنسا وضمان شعور الانتماء” لدى المكتسبين الجدد للجنسية، وأن “التجنيس ليس حقاً تلقائياً بل قرار سيادي للحكومة”. ويُنظر إلى هذا التوقيت على أنه محاولة لإظهار قوّة الموقف قبل انشغال الرأي العام بالمواعيد الانتخابية القادمة، لاسيما وأن الوزير يُعدّ منافساً محتملاً في السباق الرئاسي لعام 2027 .
المعايير المشددة في المذكرة
رفع مستوى اللغة إلى B2
حتى الآن، يُشترط في المتقدمين للجنسية الفرنسية كحد أدنى إتقان اللغة الفرنسية بمستوى B1 وفق إطار CEFR. ولكنّ المذكرة الجديدة تشدد على ضرورة بلوغ الحد الأدنى B2 في كل من المحادثة والكتابة، مع تقديم شهادات معترف بها دولياً كدليل إجادة .
شروط الإدماج المهني والموارد
أوضحت المذكرة وجوب إثبات المتقدم لخمسة أعوام على الأقل من الإدماج المهني المتواصل في فرنسا، مع اشتراط وجود عقد عمل دائم (CDI) لمدة سنة واحدة على الأقل أو عقود محددة المدة (CDD) لمدة سنتين متواصلتين في آخر 24 شهراً عند تقديم الطلب، إضافة إلى إثبات موارد مالية مستقرة وكافية دون الاستعانة
إدخال “اختبار مدنيّ”
أعلنت وزارة الداخلية عن نيّة بدء إجراء “اختبار مدنيّ” ابتداءً من 1 يناير 2026 لقياس مدى معرفة المتقدمين بقيم الجمهورية الفرنسية وتاريخها، بناءً على “ميثاق حقوق وواجبات المواطن الفرنسي”. ويأتي هذا الاختبار استبدالاً بالمقابلة الفردية التقليدية التي لم تكن تُلزم بعلامة نجاح محددة حتى الآن.
ردود الفعل والتحليلات
تأييد وترحيب
رحّب عدد من السياسيين اليمينيين والمتشددين داخل الأحزاب الحاكمة بالإجراءات، معتبرين أنّها “خرقٌ للجمود” و”استجابة لمطالب المواطنين بخصوص الضغوط على سوق العمل والخدمات الاجتماعية”. واعتبروا أنّ “زيادة متطلبات اللغة والاختبار المدني سيعزز التكافل ويضمن اندماجاً أفضل”.
انتقادات وتحفظات
على النقيض، انتقدت أحزاب يسارية ومنظمات مدنية هذه الخطوات، ورفضها حزب الخضر والجمعيات الحقوقية بوصفها “تضييقاً غير مبرر” و”إعاقة للاندماج”، مع تحذير من تفاقم ظاهرة البطالة في صفوف الأجانب القادرين على العيش في فرنسا دون الوصول للجنسية . كما رأت صحف أجنبية أن المذكرة تحتوي “بعض التغييرات الشكلية أكثر منها جوهرية”، وأنها “تدرّج نحو سياسة يمينية
التحديات والآفاق المستقبلية
موازنة الأمن والانفتاح
يبقى السؤال مطروحاً حول مدى قدرة فرنسا على تحقيق توازن بين ضمان الأمن المجتمعي وصون القيم الجمهورية من جهة، وبين الحفاظ على سياسة لجوء وتجنيس إنسانية ومتوازنة من جهة أخرى. فرفع المعايير قد يقلل من منح الجنسية ويطيل أمد الانتظار، ما قد يزيد شعور بعض المقيمين بعدم الانتماء.
تأثيرات اجتماعية واقتصادية
قد تؤدي المعايير الأدقّ إلى تعزيز اندماج أولئك المستوفين الشروط، بينما ستزيد الأعباء والإجراءات البيروقراطية على الآخرين. كما قد ينعكس ذلك على عدد المكتسبين للجنسية سنوياً، علماً أن نحو 66,745 شخصاً حصلوا على الجنسية الفرنسية عام 2024، بارتفاع 8.3% عن 2023 وفق بيانات وزارة الداخلية .
مراقبة التنفيذ والتقييم
حددت المذكرة مهلة ثلاثة أشهر للمحافظين لعرض تقارير أولية عن تطبيق الإجراءات، ما يُظهِر رغبةً في مراقبة النتائج وتعديل السياسات عند الضرورة .
في الختام، تشكّل هذه الخطوة انعكاساً لحساسية الملفّ الخاص بالهجرة والتجنيس في فرنسا، وتعكس التوتر بين الضغوط السياسية والاقتصادية والرغبة في الحفاظ على الهوية الوطنية. وسيكون لزاماً متابعة تأثير