مهمة داون التابعة لوكالة ناسا تكتشف عالمًا محيطا متجمدًا يختبئ في نظامنا الشمسي

لمحة نيوز

في إنجاز علمي غير مسبوق، أعلنت وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" أن مهمة "داون" (Dawn) قد كشفت عن أدلة قوية على وجود عالم محيطي متجمد يختبئ داخل أحد الأجسام الصغيرة في نظامنا الشمسي، ما يفتح آفاقًا جديدة لفهم الأجرام السماوية، وربما حتى الحياة خارج الأرض.

اكتشاف هذا العالم الجليدي المدفون داخل كوكب قزم يُدعى "سيريس" (Ceres)، يشير إلى أن بعض الكواكب الصغيرة التي كان يُعتقد أنها غير نشطة جيولوجيًا، قد تحتوي على أنظمة معقدة من المياه تحت السطح. هذه النتائج لم تكن لتتحقق لولا المهمة المتميزة لمركبة "داون"، التي كانت أول مركبة فضائية تزور سيريس بعد أن أنهت جولتها السابقة حول الكويكب الكبير فيستا (Vesta).

ما هو "سيريس"؟

سيريس هو أكبر جسم في حزام الكويكبات الواقع بين كوكبي المريخ والمشتري، ويُصنف كـ كوكب قزم. يبلغ قطره حوالي 940 كيلومترًا فقط، وهو صغير مقارنةً بالكواكب الأخرى، لكنه يشكّل ثلث كتلة حزام الكويكبات بأكمله. منذ أن اكتُشف لأول مرة عام 1801، ظل محلّ اهتمام العلماء، خاصة بسبب وجود مؤشرات سابقة على وجود جليد

على سطحه.

مهمة داون: من فيستا إلى سيريس

تم إطلاق مركبة "داون" في عام 2007، وهي أول مهمة من نوعها استخدمت نظام دفع أيوني للوصول إلى وجهتين فضائيتين مختلفتين. زارت في البداية الكويكب فيستا في عام 2011، ثم انتقلت إلى سيريس في 2015، حيث استقرت في مدار حوله، واستمرت في إرسال البيانات حتى انتهاء مهمتها رسميًا في 2018.

وخلال تلك الفترة، قامت داون بتصوير سطح سيريس بدقة عالية، وجمعت بيانات عن تركيبته الجيولوجية والمعدنية، وأشارت المشاهدات إلى وجود بقع لامعة غامضة، أثارت جدلًا واسعًا بين العلماء، حيث تبيّن لاحقًا أنها تتكوّن من أملاح متبلورة وجليد.

الاكتشاف الكبير: عالم محيطي متجمد تحت السطح

لكن الأهم جاء بعد تحليل معمّق للبيانات المرسلة من داون، حيث كشفت الدراسة عن أدلة على وجود خزان ضخم من المياه المالحة تحت السطح، يمتد على عمق عدة كيلومترات. هذه المياه ليست في حالة سائلة تمامًا كما على الأرض، بل هي مزيج من الماء والجليد والأملاح، ما يمنحها القدرة على البقاء في حالة شبه سائلة حتى في درجات الحرارة المنخفضة جدًا.

ويُعتقد

أن النشاط الجيولوجي الموجود في بعض مناطق سيريس، وخاصة الفوهة المعروفة باسم أوكتاتور (Occator Crater)، هو نتيجة اندفاع هذه المواد من الأعماق إلى السطح في الماضي القريب، وربما حتى في الوقت الحاضر.

أهمية الاكتشاف: ما وراء الجليد

تكمن أهمية هذا الاكتشاف في عدة جوانب:

إعادة تعريف الكواكب الصغيرة: لفترة طويلة، كان يُنظر إلى الكويكبات والكواكب القزمة على أنها مجرد "صخور فضائية" باردة وخاملة. أما اليوم، فيُعتبر سيريس جسمًا نشطًا جيولوجيًا يحتمل أن يكون "حيًا" داخليًا.

إمكانات الحياة: وجود المياه المالحة تحت السطح يفتح بابًا لتكهنات حول وجود حياة ميكروبية أو ظروف صالحة لنشأتها، خاصة إذا كانت الحرارة والمواد الكيميائية المناسبة متوفرة في الأعماق.

وجهات مستقبلية للبعثات الفضائية: قد يصبح سيريس هدفًا مهمًا في خطط ناسا المستقبلية، سواء للبعثات غير المأهولة أو حتى المأهولة، لاختبار فرضيات الحياة، أو استخدام مياهه كموارد في مهمات أبعد.

التكنولوجيا وراء الإنجاز

تمكنت داون من الوصول إلى هذه النتائج بفضل أجهزة الاستشعار المتطورة

التي كانت تحملها، مثل:

مقياس الطيف بالأشعة تحت الحمراء والمرئية، الذي ساعد في تحليل تركيبة سطح سيريس.

مقياس الجاذبية الذي ساعد في تحديد توزيع الكتلة تحت السطح، وكشف عن مناطق كثافتها منخفضة تُشير إلى وجود مياه أو جليد.

ما التالي؟

بعد انتهاء مهمة داون، لا تزال ناسا تدرس إرسال بعثات جديدة إلى سيريس، باستخدام تقنيات حفر أكثر تطورًا، وربما استكشاف مناطقه الداخلية بشكل مباشر. وهناك أيضًا اهتمام متزايد باستخدام هذه الكواكب القزمة كمحطات للوقود أو الدعم اللوجستي في رحلات الفضاء العميقة نحو المشتري أو زحل.

كما يثير هذا الاكتشاف الحماسة في أوساط العلماء لدراسة أجرام سماوية أخرى في النظام الشمسي، مثل أقمار إنسيلادوس (قمر زحل) وأوروبا (قمر المشتري)، والتي يُعتقد أيضًا أنها تحتوي على محيطات تحت سطحها الجليدي.

خاتمة

إن مهمة "داون" أعادت تعريف فهمنا لما يُحتمل أن نكتشفه في النظام الشمسي. فبينما كان الاعتقاد السائد أن الحياة لا يمكن أن توجد إلا على الكواكب الكبيرة، فإن هذا العالم المحيطي المتجمد في قلب سيريس يُثبت العكس.

وقد تكون هذه فقط بداية فصل جديد في استكشاف العوالم الغامضة التي تسبح بصمت إلى جانبنا في الفضاء.

تم نسخ الرابط