تزايد تمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي عبر الديون يختبر شهية المستثمرين مع تصاعد المخاوف بشأن قدرة الشركات على تحمل تكاليف التوسع
لم تعد طفرة الذكاء الاصطناعي ترتبط فقط بتطوير النماذج المتقدمة أو السباق نحو الرقائق الأقوى، بل دخلت بقوة إلى أسواق التمويل، مع اتجاه شركات التكنولوجيا الكبرى إلى الاقتراض لتمويل التوسع الضخم في البنية التحتية ومراكز البيانات.
وتكشف تحركات سوق السندات عن تحد جديد أمام الشركات والمستثمرين معًا. فالمؤسسات المالية ما زالت تنظر إلى شركات مثل أمازون وألفابت باعتبارها جهات ائتمانية قوية، لكن كثرة الإصدارات الجديدة بدأت تدفع المستثمرين إلى طلب عوائد أعلى مقابل شراء هذه الديون.
وبحسب بيانات نقلتها رويترز في 21 أغسطس 2026، ارتفع حجم الديون المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي أصدرتها شركات التكنولوجيا العملاقة إلى نحو 220 مليار دولار منذ بداية العام وحتى 10 أغسطس، مقارنة مع 12.5 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي. ويعكس هذا الفارق تحول تمويل الذكاء الاصطناعي تدريجيًا من الاعتماد على السيولة المتاحة إلى أسواق الدين.
وتحتاج الشركات إلى إنفاق مبالغ هائلة لبناء مراكز البيانات وتجهيزها بالمعالجات وأنظمة التخزين والشبكات ومصادر الطاقة والتبريد.
وكانت شركات التكنولوجيا الكبرى قد رفعت تقديرات الإنفاق الرأسمالي المرتبط بالذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، بينما يتجه إجمالي إنفاق الشركات العملاقة إلى أكثر من 730 مليار دولار خلال 2026، وفق بيانات أوردتها رويترز في وقت سابق من أغسطس. وهذا الحجم من الإنفاق يفسر اللجوء المتزايد إلى الاقتراض.
وهذا يعني أن تكلفة التمويل قد تبدأ تدريجيًا في التأثير على حسابات المشروعات الجديدة، خصوصًا إذا بقيت الاستثمارات بحاجة إلى تمويل مستمر لسنوات. كما أن حجم المعروض من السندات سيظل عاملًا مهمًا في تحديد الشروط التي تستطيع الشركات الحصول عليها من السوق.
لكن التحدي الجديد لا يتمثل في غياب المشترين، وإنما في ارتفاع العائد الذي يطلبه المستثمرون. ويظهر ذلك في اتساع الفارق بين عوائد سندات شركات التكنولوجيا
وتقدم صفقة أمازون الأخيرة مثالًا واضحًا، بعدما طرحت الشركة سندات بقيمة 25 مليار دولار بعلاوة تقارب 120 نقطة أساس فوق عوائد سندات الخزانة، بينما كان الفارق في العام السابق يقارب نصف هذا المستوى. ولا يعني ذلك بالضرورة تشكيكًا في قدرة الشركة على السداد، بل يعكس حجم المعروض والمنافسة على أموال المستثمرين.
وفي الوقت نفسه، لا يستطيع المستثمرون المؤسسيون زيادة تعرضهم لشركات التكنولوجيا بلا حدود. فصناديق التقاعد وشركات التأمين ومديرو الأصول يفرضون عادة قيودًا على نسبة ما يمكن تخصيصه لمصدر واحد، ما قد يجعل المنافسة على أموال المستثمرين أكثر صعوبة مع استمرار الإصدارات الضخمة.
وتزداد المسألة تعقيدًا مع الالتزامات المستقبلية المرتبطة بالبنية التحتية. وأظهر تحليل حديث أن تسع شركات تكنولوجية كبرى، بينها ألفابت وأمازون ومايكروسوفت وميتا وإنفيديا، لديها التزامات مستقبلية خارج الميزانية تتجاوز
لذلك، لا يكفي النظر إلى حجم الديون الحالية عند تقييم الوضع المالي لهذه الشركات. فالتدفقات النقدية المستقبلية أصبحت عنصرًا أساسيًا في حساب القدرة على مواصلة التوسع.
ويبقى السؤال الأهم: هل ستتحول هذه الاستثمارات الضخمة إلى إيرادات وأرباح بالسرعة الكافية؟ فالإنفاق لا يمثل مشكلة إذا نجحت الشركات في تحقيق نمو مستدام، لكنه يصبح أكثر حساسية إذا لم يتوسع الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي كما هو متوقع.
وهكذا، لم يعد سباق الذكاء الاصطناعي متعلقًا فقط بأفضل المعالجات وأكبر مراكز البيانات، بل بقدرة الشركات على تمويل التوسع والحفاظ على عوائد تبرر تكلفته. وسيبقى الاختبار الحقيقي أمام المستثمرين هو ما إذا كانت الإيرادات المستقبلية ستنمو بالسرعة الكافية لتغطية تكلفة الاقتراض والاستثمارات، فارتفاع تكلفة الدين أو تراجع شهية السوق قد يفرض لاحقًا إعادة النظر في