السياحة تتجه بعيدًا عن المدن المزدحمة: قرية جورد الفرنسية تستقطب الباحثين عن تجارب أكثر هدوءًا

لمحة نيوز

لم تعد الرحلة السياحية بالنسبة إلى كثير من المسافرين مجرد سباق لزيارة أكبر عدد ممكن من المعالم خلال أيام قليلة. فمع تزايد الحديث عن ازدحام الوجهات الأوروبية الشهيرة، بدأ الاهتمام يتجه إلى أماكن تمنح الزائر فرصة للتريث والمشي واكتشاف تفاصيل الحياة المحلية بعيدًا عن إيقاع المدن الكبرى السريع.

وفي جنوب فرنسا، تبدو جورد واحدة من الوجهات التي تجسد هذا التحول. فالقرية الواقعة في منطقة لوبيرون بإقليم فوكلوز تجمع بين الطبيعة الجبلية والبيوت الحجرية والممرات القديمة والمشهد الريفي المفتوح، كما تشكل نقطة مناسبة لاكتشاف عدد من القرى والمواقع التي تمنح بروفانس طابعها المميز.

لكن جورد ليست وجهة مجهولة أو مكانًا بعيدًا تمامًا عن السياحة الجماهيرية. شهرتها الواسعة تجعلها مقصدًا معروفًا، وتزداد الحركة فيها خلال الصيف، ولذلك فإن جاذبيتها لا تقوم على غياب السياح بقدر ما ترتبط بنوع مختلف من التجربة، خاصة عندما

يختار الزائر الإقامة في الريف واستكشاف المنطقة بوتيرة أبطأ.

وتأتي أهمية هذا النمط من السفر في وقت تواجه فيه مدن ومواقع أوروبية شهيرة ضغوطًا متزايدة بسبب الأعداد الكبيرة من الزوار. وتقدم مرسيليا مثالًا واضحًا على ذلك، إذ تحولت خلال السنوات الماضية إلى مقصد شديد الشعبية، مع توقع استقبال ملايين الزوار في 2026، وهو نمو انعكس على الاقتصاد المحلي لكنه تسبب في الوقت نفسه في ازدحام وضغوط على أسعار العقارات وبعض المناطق الطبيعية والأحياء السكنية.

ومع انتقال السؤال من «كيف نجذب المزيد من السياح؟» إلى «كيف ندير السياحة بصورة أفضل؟»، تكتسب الوجهات الريفية أهمية أكبر. وهنا تبرز لوبيرون، حيث لا تعتمد الرحلة على معلم واحد، بل على مجموعة من القرى والمناظر الطبيعية والطرق الريفية والمواقع التاريخية.

تتربع جورد على موقع مرتفع يمنحها مشهدًا لافتًا، إذ تتدرج مبانيها الحجرية على سفح التل، بينما تكشف نقاط مختلفة

منها إطلالات واسعة على الطبيعة المحيطة. وتضيف الأزقة المتعرجة والمباني القديمة والحجر المحلي شخصية خاصة للمكان، إلى جانب القلعة الموجودة في قلب القرية والكنائس والمواقع التاريخية الأخرى. كما ارتبطت جورد بالفن والثقافة، واستقطبت في فترات مختلفة فنانين وجدوا في طبيعة لوبيرون مصدرًا للإلهام.

ولا تتوقف التجربة عند حدود القرية. فالموقع يسمح بالانتقال بين القرى الصغيرة وممارسة المشي وركوب الدراجات وزيارة المواقع الطبيعية والتاريخية المنتشرة في المنطقة. كما تضيف الأسواق والمنتجات المحلية والطابع الزراعي بعدًا آخر للرحلة، فيقترب الزائر من الحياة المحلية بدل أن يكتفي بالتقاط الصور.

ورغم ذلك، فإن جورد تكشف مفارقة واضحة؛ فالقرية التي يقصدها المسافر بحثًا عن الهدوء قد تصبح مزدحمة هي الأخرى بسبب شهرتها. وتظهر الضغوط خصوصًا في الصيف، مع كثافة الزوار وحركة السيارات حول النقاط الأكثر شهرة.

لكن الرحلة الهادئة

لا تعني بالضرورة اختيار مكان غير معروف، بل قد تتعلق بطريقة اكتشافه وتوقيت الزيارة ومدة الإقامة. فاختيار الصباح أو الفترات الأقل ازدحامًا، وقضاء وقت أطول في المنطقة بدل المرور السريع بها، يمكن أن يغير التجربة كثيرًا. عندها يصبح المشي واكتشاف الأسواق والمقاهي والمناظر الطبيعية أهم من محاولة زيارة أكبر عدد ممكن من المعالم.

وفي النهاية، لا تقدم جورد سياحة خالية من الحشود، ولا تحتاج إلى ذلك. قيمتها تكمن في قدرتها على منح المسافر فرصة لإبطاء وتيرة الرحلة والاقتراب من المكان وطبيعته وعماراته وثقافته المحلية. ومع استمرار المدن الأوروبية الكبرى في مواجهة آثار الشعبية المتزايدة، قد تصبح هذه الوجهات الريفية أكثر حضورًا في اختيارات المسافرين؛ ليس لأنها تخلو من السياح، بل لأنها تمنحهم طريقة مختلفة لاكتشاف الوجهة، يكون فيها المشي أهم من السرعة، والمشهد أهم من قائمة طويلة من المعالم، والإقامة أكثر قيمة من

مجرد المرور.

تم نسخ الرابط