الجدة الكبرى البالغة من العمر 90 عامًا تتخرج من الكلية

لمحة نيوز

الجدة التسعينية تتخرج من الجامعة: قصة إلهام تتحدى الزمن

في عالم تزداد فيه الضغوط على الشباب لإنجاز أكبر قدر في أقصر وقت، تبرز قصة السيدة التسعينية "فاطمة النجار" كضوء ساطع يُذكّرنا بأن الطموح لا يعترف بالعمر، وأن الأحلام لا تموت مهما طال انتظارها. ففي صباح مشمس من ربيع عام 2025، وقفت فاطمة على منصة التخرج بجامعة دمشق، مرتدية روب التخرج بكل فخر، ملوحة للجمهور بيدٍ، وتحمل شهادتها الجامعية باليد الأخرى، بعد رحلة تعليمية استثنائية امتدت لسبعين عامًا من الانتظار.

هذه القصة ليست مجرد خبر لافت للأنظار أو حالة غريبة للتداول، بل هي شهادة حيّة على قوة الإرادة والإيمان بالنفس، وتحدٍ حقيقي لمفاهيمنا التقليدية حول العمر، الإنجاز، والتعليم. إنها دعوة صريحة لكل من ظن أن قطار الحلم قد فاته، بأن الحياة لا تزال مليئة بالفرص.

من حلم الطفولة إلى واقع في التسعين

وُلدت فاطمة النجار عام 1935 في قرية ريفية بمحافظة حمص، في وقتٍ كانت فيه فرص التعليم للفتيات محدودة للغاية. أكملت تعليمها الابتدائي بشق الأنفس، ثم توقفت مضطرة بسبب ظروف الأسرة، والعادات الاجتماعية السائدة حينها. تزوجت في عمر

السابعة عشرة، وانشغلت برعاية عائلتها، حيث أنجبت خمسة أبناء، ثم كبرت العائلة لتضم 14 حفيدًا وعددًا من أبناء الأحفاد.

رغم مسؤولياتها العائلية، لم تتخل فاطمة يومًا عن شغفها بالتعلم. كانت تجد وقتًا بين انشغالاتها لقراءة الكتب، ومتابعة البرامج الثقافية، وتشجيع أولادها وأحفادها على مواصلة التعليم. وظل حلم العودة إلى الدراسة يرافقها، حتى أنها كانت تردد دومًا: "سأعود إلى الجامعة... ولو بعد التسعين".

وبعد وفاة زوجها في عام 2018، شعرت أن الوقت قد حان لتحقيق ذلك الحلم المؤجل. فسجّلت في برنامج التعليم المفتوح بجامعة دمشق، واختارت دراسة اللغة العربية وآدابها، حبًا في الأدب العربي وتاريخه، ولقرب هذا المجال من ثقافتها وميولها.

رحلة محفوفة بالتحديات

لم يكن الطريق سهلًا. في بيئة تعليمية حديثة تعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا والمنصات الرقمية، واجهت فاطمة صعوبات جمّة. لم تكن تجيد استخدام الحاسوب أو البريد الإلكتروني، ولا تعرف كيف تتعامل مع المنصات الإلكترونية الخاصة بالمحاضرات والواجبات. لكنها لم تستسلم.

بدأت تتلقى المساعدة من أحفادها الذين أبدوا إعجابهم بتصميمها اللافت. تعلمت كيفية

كتابة البحوث على "وورد"، وطريقة إعداد العروض التقديمية باستخدام "باوربوينت"، بل وبدأت تتصفح الإنترنت بنفسها. وحرصت على حضور المحاضرات بانتظام، سواء كانت حضورية أو عبر الإنترنت، وكانت أكثر التزامًا من زملائها من الطلبة الشباب، الذين صاروا ينادونها بـ"ستي فاطمة" بكل احترام ومحبة.

لحظة التخرج: فرح لا يُنسى

جاء يوم التخرج في يونيو 2025 ليكون لحظة تاريخية لعائلة فاطمة، وللجامعة، بل وللمجتمع السوري بأسره. اصطف أبناؤها وأحفادها في الصفوف الأمامية، يصفقون لها بحرارة، وعيونهم تفيض بالدموع. زملاؤها الطلاب احتفلوا بها كما لو أنها تخرجت نيابة عنهم جميعًا. ودوّت القاعة بالتصفيق حين مُنحت شهادة البكالوريوس وسط تصفيق حار من الجميع.

اسمها دُوّن كأكبر خريجة في تاريخ جامعة دمشق، وربما في تاريخ التعليم العالي في المنطقة. وانتشرت صورها على وسائل التواصل الاجتماعي، وهي ترتدي ثوب التخرج وتبتسم بفخر وسط أفراد عائلتها.

رسالة للعالم: لا حدود للطموح

في مقابلة أجريت معها عقب التخرج، قالت فاطمة بكلمات مؤثرة:
"السن لا يقف عائقًا أمام العلم. طالما هناك قلب ينبض، هناك فرصة. هذه الشهادة ليست

مجرد ورقة، بل تتويج لحلم عمره سبعون عامًا، وهدية أقدمها لأحفادي كي يعرفوا أن لا شيء مستحيل."

وأضافت: "لم أفعل ذلك من أجل إثبات شيء لأحد، بل من أجل نفسي. كنت بحاجة لأن أبرهن لنفسي أنني قادرة، وأن الحلم لا يتقادم".

من قصة فردية إلى إلهام جماعي

لم تمر قصة فاطمة مرور الكرام، بل سرعان ما تحولت إلى رمز ملهم للكثيرين. أعلنت جامعة دمشق عن نيتها إطلاق مبادرة باسم "مبادرة فاطمة" لدعم كبار السن الراغبين في استكمال تعليمهم، وتوفير التدريب التقني والمرافقة التعليمية لهم.

كما بدأت عدد من المؤسسات التعليمية العربية بتسليط الضوء على أهمية فتح الأبواب أمام كبار السن، وتسهيل اندماجهم في المسار التعليمي، لما لذلك من أثر اجتماعي وثقافي كبير.

ختامًا: حين يتحول الحلم إلى رسالة

تخرج فاطمة النجار ليس حدثًا عابرًا، بل هو لحظة نادرة ترمز إلى طاقة الإنسان اللامحدودة حين يؤمن بذاته. هي ليست فقط جدة كبُرت في العمر، بل امرأة آمنت أن الوقت لا يسرق الأحلام، بل يؤجلها فقط لمن يملك الشجاعة على ملاحقتها.

قصتها تهمس لنا جميعًا:
لا تتوقف عن التعلم، لا تتردد في الحلم، ولا تخف من الزمن... فربما

يكون اليوم هو اللحظة المثالية التي كنت تنتظرها منذ سنوات.

تم نسخ الرابط