لبنان: تدهور الليرة مستمر وسط جمود سياسي

لمحة نيوز

في بلدٍ أنهكته الأزمات وتكاد تنهار فيه مؤسسات الدولة واحدة تلو الأخرى، تواصل الليرة اللبنانية سقوطها الحر في سوق صرف غير مستقر، فيما تغرق الطبقة السياسية في سبات عميق، عاجزة عن التوافق على الحد الأدنى من القرارات المصيرية. من العملة الوطنية إلى المؤسسات الدستورية، ومن النظام المصرفي إلى حياة الناس اليومية، بات لبنان نموذجًا مأساويًا للدولة التي تخلّى عنها قادتها في لحظة مفصلية من تاريخها.

تدهور مستمر بلا قاع

منذ اندلاع الانتفاضة الشعبية في أكتوبر 2019، بدأ مسار الانهيار الاقتصادي اللبناني يتسارع بشكل مروّع. كانت الليرة اللبنانية تُصرف عند حدود 1500 ليرة مقابل الدولار، وهو السعر الرسمي المثبّت منذ أكثر من عقدين. اليوم، وبعد مرور أكثر من خمس سنوات على الأزمة، تجاوز سعر الصرف في السوق السوداء عتبة 90,000 ليرة مقابل الدولار، ووصل أحيانًا إلى ما فوق 100,000 ليرة، في انهيار يفقد فيه اللبنانيون أي أمل بعودة الاستقرار النقدي.

وليس تدهور الليرة مجرد رقم مالي، بل هو مؤشر على الانهيار العميق في البنية الاقتصادية والسياسية للبلد. كل يوم يمر من دون حل سياسي يزيد من نزيف الليرة، ويضاعف من معاناة المواطنين الذين باتوا يشترون الخبز، ويقودون سياراتهم، ويدفعون فواتيرهم بالدولار النقدي أو بما يعادله من أسعار السوق السوداء.

التضخم الجنوني وتآكل القدرة الشرائية

وفقًا لتقارير رسمية صادرة عن إدارة الإحصاء المركزي اللبناني، بلغ معدل التضخم السنوي أكثر من 250% في العام 2023، مع تسجيل زيادات خيالية في أسعار المواد الأساسية: الأغذية، المحروقات، الأدوية، والسلع المستوردة كافة. ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة تزيد عن 300% خلال أقل من عام، ما جعل لبنان يحتل مرتبة بين الأعلى عالميًا من حيث نسب التضخم.

المواطن اللبناني الذي كان راتبه الشهري يعادل ألف دولار قبل الأزمة، بات اليوم يتقاضى ما يساوي أقل من 50 دولارًا بالقيمة الفعلية. التفاوت الهائل بين الدخول والأسعار قضى على الطبقة الوسطى بشكل شبه تام، ورفع من معدلات الفقر إلى أكثر من 80% بحسب تقديرات الأمم المتحدة.

السياسة غائبة... والحل مؤجل

في خضم هذا الانهيار، تعيش البلاد فراغًا سياسيًا هو الأطول في تاريخها الحديث. فمنذ انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون في أكتوبر 2022، فشل البرلمان اللبناني في انتخاب رئيس جديد للجمهورية رغم عشرات الجلسات. وفي ظل حكومة تصريف أعمال عاجزة عن اتخاذ قرارات استراتيجية، تتراكم الأزمات دون أدنى مؤشرات على الانفراج.

الفراغ الرئاسي لم يؤثر فقط على الاستقرار السياسي، بل شلّ كافة مفاصل الدولة: لا موازنة عامة، لا إصلاحات اقتصادية، لا اتفاق مع صندوق النقد الدولي،

ولا حتى قرارات واضحة بشأن مستقبل النظام المصرفي. وفي الوقت الذي يتطلب فيه الوضع تدخلًا طارئًا لإنقاذ الاقتصاد، يستمر التجاذب السياسي حول الحصص والمكاسب، بينما تتآكل البلاد من الداخل.

النظام المصرفي في العناية الفائقة

الركيزة الأخرى التي سقطت تحت وطأة الأزمة هي النظام المصرفي اللبناني، الذي كان يومًا من أقوى الأنظمة المالية في المنطقة. منذ خريف 2019، فرضت المصارف قيودًا صارمة على السحوبات والتحويلات، مما جعل عشرات آلاف اللبنانيين غير قادرين على الوصول إلى ودائعهم. اليوم، ورغم مرور سنوات، لا يزال المودعون عاجزين عن استعادة أموالهم، فيما تعيش البنوك في حالة من الشلل والجمود الكامل.

وقد أدى هذا الانهيار إلى موجة غضب شعبي. شهدت البلاد عدة اقتحامات للمصارف من قبل مودعين غاضبين حاولوا استرداد أموالهم بالقوة، في مشاهد مأساوية تلخّص ما وصلت إليه الثقة بين المواطنين ونظامهم المصرفي. النظام المالي بات بحاجة إلى إعادة هيكلة جذرية، تبدأ بمحاسبة المسؤولين عن التلاعب بالمال العام والسياسات النقدية، وتنتهي بخطة واضحة لتعويض المودعين وإنقاذ ما تبقى من القطاع.

سيطرة الدولار وتراجع السيادة

أمام فقدان الليرة لوظيفتها الأساسية كوسيلة للتبادل ومخزن للقيمة، أصبح الاقتصاد اللبناني "مدولرًا" بنسبة تفوق 80% من المعاملات. من

رواتب الموظفين إلى فواتير الكهرباء والمدارس، أصبحت معظم التعاملات تتم بالدولار النقدي أو وفق سعر صرف السوق. هذه الظاهرة، رغم أنها تساعد على بعض الاستقرار النسبي في الأسعار، تمثل تراجعًا خطيرًا للسيادة النقدية، وتعقّد أي محاولة مستقبلية لإعادة توحيد السياسة النقدية.

أين الدعم الدولي؟ ولماذا يتأخر الحل؟

صندوق النقد الدولي والدول المانحة وضعوا شروطًا واضحة لتقديم المساعدات، أبرزها تنفيذ إصلاحات مالية ونقدية وهيكلية. لكن، كما هو متوقع في المشهد اللبناني، لا يبدو أن هناك إرادة سياسية حقيقية للقيام بهذه الإصلاحات. تجميد خطة التعافي الحكومية، تعثّر التفاوض مع صندوق النقد، وانعدام الشفافية في إدارة المال العام، جميعها مؤشرات على أن الحلول ما زالت بعيدة المنال.

إلى أين يتجه لبنان؟

لبنان اليوم أمام لحظة فارقة. إما أن يبدأ طريق التعافي، أو يستمر في الانهيار الكامل. إعادة الثقة بالليرة، إنقاذ النظام المصرفي، وضبط الاقتصاد الكلي، كلها خطوات لا يمكن تحقيقها من دون حل سياسي جذري، وانتخاب رئيس للجمهورية، وتشكيل حكومة فاعلة، والتزام جاد بخطة إصلاح متكاملة.

لكن حتى ذلك الحين، سيستمر المواطن اللبناني في دفع ثمن جمود لم يختَره، وانهيار لم يكن مسؤولًا عنه. ويبقى السؤال الذي يؤرق الجميع: من ينقذ لبنان من أزمته، إذا كانت السلطة

غائبة، والإرادة مفقودة، والوقت ينفد؟

تم نسخ الرابط