تحليلات طبية تكشف أسرار مومياوات نازكا وتثير الجدل

لمحة نيوز

عادت مومياوات نازكا، المكتشفة في منطقة نازكا بالصحراء الساحرة في بيرو، إلى دائرة الضوء مجدّدًا بعد ظهور نتائج تحليلات طبية حديثة أثارت جدلًا واسعًا بين علماء الآثار والأنثروبولوجيا وحتى الجمهور العام. وصلت هذه المومياوات إلى المشهد الإعلامي إثر ادعاءات قُدمت عن أصلها الغامض وارتباطها بكائنات فضائية، لكنَّ تحليلات الأشعة المقطعية واختبارات الحمض النووي قدّمت رؤًى جديدة تكشف تفاصيل تشريحية وقفزة في اختلاف الآراء حول مدى مصداقية هذه الاكتشافات. في هذا المقال نُسلّط الضوء على أهم نتائج التحاليل الطبية، ونستعرض طبيعة الجدل المُثار حولها، وأجوبة بعض المختصين التي تسعى إلى التفرقة بين ما هو علمي وما هو متداول إعلاميًا.

اكتشاف مومياوات نازكا وظروف العثور عليها
ظهر الحديث عن مومياوات نازكا في العام 2017 حين قُدِّمت دفعات من هياكل بشرية صغيرة إلى جهات مختصة لاختبارها وراثيًا وطبيًا.وُجدت هذه الهياكل على يد سكان محليين في جبال نازكا الصحراوية، حيث تراوحت أطوالها بين 30 و60 سنتيمترًا، مما أثار الشكوك حول إمكانية أن تكون هياكل أطفال. أو لكائنٍ آخر مختلف عن البشر. كان أهم ما لفت الانتباه شكل الجماجم الطويلة التي افترض بعضهم أنها دليلٌ على وجود “كائنات غير أرضية”.

لكن عند وصول العينات إلى مختبرات بيرو وبعض المختبرات الدولية، تمَّ تسجيل إجراءات نقل آمن لتفادي تلوث المادة الوراثية وتأكيد الرقابة الأثرية على مصدرها. سرعان ما طلبت السلطات البيروفية فحصًا دقيقًا من قبل معهد علم الإنسان في ليما، بالتعاون مع باحثين من عدة جامعات، لإجراء تصوير مقطعي وتحاليل دقيقة للتركيب العظمي. كانت الغاية البحثية الأساسية التأكد

من عمر المومياوات وطبيعة الكائنات المدفونة لديها، دون تسرعٍ في إصدار أحكام حول أصلها.

نتائج التحاليل الطبية الأولى (التصوير بالأشعة المقطعية)
أظهرت فحوصات التصوير المقطعي المحوسب (CT Scans) أن الهياكل تملك تشريحًا داخليًا مطابقًا للثدييات، مع وجود أربع أضلاع بدلاً من خمسة أو ستة، لكن لا دليل على وجود أعضاء داخلية كالدماغ أو الرئتين وفق الأوصاف الطبيعية للبشر. تكشفت أيضًا أمراضٌ عظميةٌ اعتاد العثور عليها في الهياكل المدفونة في ظروفٍ صحراوية، مثل تكلّس الشرايين وترسب الأملاح في المفاصل.

كذلك أبان التصوير أن الأنسجة الهشة حول العمود الفقري تظهر علاماتٍ لالتهابٍ شرسٍ عاشه الكائن قبل الوفاة بفترةٍ قصيرة، إذ لوحظ سمكٌ غير متجانس في الأنسجة العظمية ودلالة على تفاعل مناعي أثّر على شكل العظام، مما يرجّح أن المومياء تعرضت لعوامل بيئية ومناعية طبيعية، عوضًا عن كونها “غير بشرية” بالمعنى الفضائي. ربط بعض الباحثين سمك جدار الجمجمة الطويلة بإجراءات تحنيطٍ أو ضغطٍ متعمدٍ بعد الوفاة، وقد كتبوا أن الجمجمة فعليًّا لكائنٍ بشري حديث، لكن تمّ تعديلها لأغراض طقسية أو تجارية في القرون الماضية أثناء فترة ازدهار الحضارة النازكية.

اختبارات الحمض النووي ودورها في تحديد الأصل
ربطت الاختبارات الوراثية الأخيرة بين مومياء نازكا والشعوب الأصلية في الأنديز، إذ أظهرت نتائج تحليل DNA وجود تسلسل وراثي قريب من الهنود الحمر الذين عاشوا في المنطقة قبل وصول الإسبان. أظهرت تلك المقارنات جينات مرتبطة بمجموعاتٍ سكانيةٍ معروفةٍ في وادي الريمة ووادي كوتشابامبا، ما يُثبِت بقوةٍ اشتراكهم الجيني مع الشعوب القديمة التي بناها الأزتك والإنكا

قبل آلاف السنين.

لم تسفر الفحوصات عن وجود جينات غريبة أو مطابقة لحمض نووي لا تشريعيٍّ لبشر حديثين، وهو ما يناقض الادعاءات المبكرة حول “طبيعة غير أرضية” لهذه المومياوات. كما بيّن تحليل الميتوكوندريا (mtDNA) أن معظم العينات خلّفت جينات مشهورة ضمن أحد “التكتلات الأصلية الأنديزية”، مما عزّز الفرضية التي تفيد بأن مومياوات نازكا هي لطفلٍ بشري مات في سن مبكرة ربما نتيجة مرضٍ خطيرٍ أضعف المناعة.

الجدل المحيط بالأغلفة الطقسية ومسألة التعديلات البشرية
إلى جانب التفسيرات العلمية، لم يفوت بعض المؤدلجين الإفلات من فرضيات “هندسة بشرية” قديمة امتدت إلى حضارة النازكا. تختصّدت انتقاداتٌ أطلقها دعاة وجود “عوالم موازية” وأتباع نظريات المؤامرة بشكّهم في أنَّ التغيرات التي لحقت بالجمجمة —ولا سيما طولها غير المعتاد— ناتجة عن “تقنيات تشريحية متطورة” لدى حضارة نازكا أو من حضاراتٍ غير معروفة.

يردّ علماء الآثار والأنثروبولوجيا على ذلك بقوةٍ، موضحين أن حضارة نازكا نفسها مارست تشويه رأس الأطفال عمدًا كطقسٍ ثقافي، حيث يوضع شريطٌ حول جمجمة الرضيع طوال سنواتٍ من عمره لتطويلها. وقد وثّقت العديد من المقابر والمومياوات الأنديزية المماثلة هذه العملية، وتفيد الدراسات بأنّ القصد كان شرفيةً ومجتمعيةً، وليس إبعادًا عن الجنسية البشرية.

يرى البروفيسور أليخاندرو ليما، أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة ليما الوطنية، أنَّ أغاضي التشكيل القحفي لدى الحضارات القديمة كانت بغرض التميّز الطبقي لا أكثر، وتؤكد مدى تقدّم تلك الثقافات في فهمها للرمزية الاجتماعية. وأضاف: “إذا نظرنا إلى تاريخ تشويه الجمجمة في المنطقة، نجد تطبيقه بين المايا والإنكا

والنزكا جميعهم، ما يشير إلى إرثٍ حضاريٍ واسِع يفسّر ظهور جماجم غريبة الشكل دون الحاجة إلى البحث في احتمالية حياة مخلوقات فضائية”.

تداعيات النتائج على المجتمع العلمي والرأي العام
ساهمت نتائج التحاليل الطبية في تهدئة الجدل العام حول طبيعة مومياوات نازكا، لكنّها لم تقضِ تمامًا على فرضيات المؤامرة. لا تزال بعض القنوات الإعلامية المنحازة إلى “الخيال الغيبي” تستميل المتابعين بعناوينٍ درامية مثل “ما لم يُعلن عنه الباحثون”، بينما ينشط المهتمون بعالم يوتيوب في نشر مقاطعٍ تحلّل جوانب غامضة في المومياء مثل شكوب لحيةٍ أو نسيجٍ بروتينيٍّ قالوا إنه لا مطابق لأي حيوان أرضي.

في المقابل، شهد المؤتمر الدولي لعلم الآثار في عام 2023 عرضًا تقديميًا للباحثة هيلينا كاستيلو بعنوان “تجارب مومياوات نازكا: بين العلم والخيال”، إذ قدمت فيه مقارنةً بين نتائج التحاليل الصادرة عن مختبراتها ومزاعم نشطاء الفضاء. أكدت أنّه لا دليلٍ علميٍّ واحدٍ يدعم التفسيرات الفضائية، وأن قوة الصورة الإعلامية كانت وراء انتشار الشائعات أكثر من أي شيءٍ آخر.
تؤكد التحليلات الطبية والتصوير بالأشعة المقطعية وفحوصات الحمض النووي على الطابع البشري لمومياوات نازكا وانتماء هذه العينات إلى الشعوب الأنديزية القديمة. قد يكشف الجدل الدائر حول تلك المومياوات عن رغبةٍ بشريةٍ عارمة للغوص في أسرار الماضي واستكشاف ما وراء الطبيعة، لكن الحقيقة العلمية تبقى مدعومةً بقراءاتٍ موضوعيةٍ وعيناتٍ موثوقة. في خضم هذه النقاشات، يبرز دور المجتمع العلمي في توعية الجمهور وتعزيز ثقافة البحث المنهجي، فلا يكفي مجرد نشر صور غامضة، بل يتطلب أيضًا تعزيز مهارات التحقق والنقد لتفادي

اغترار العقول بالقصص المفبركة.

تم نسخ الرابط