الجزائر: قوانين جديدة لتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر

لمحة نيوز

في خطوة استراتيجية تعكس رغبة حقيقية في إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني، تبنّت الجزائر مؤخرًا حزمة من القوانين الجديدة التي تهدف إلى جذب الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) وتعزيز مناخ الأعمال داخل البلاد. هذه التعديلات القانونية تمثل تحوّلًا جوهريًا في السياسة الاقتصادية الجزائرية، والتي تسعى إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد المفرط على عائدات المحروقات، وذلك في ظل التحديات العالمية والإقليمية المتصاعدة.

إطار تشريعي أكثر مرونة وشفافية

تركز القوانين الجديدة على إزالة العراقيل البيروقراطية وتسهيل ولوج المستثمرين الأجانب إلى السوق الجزائرية، من خلال تعديل قانون الاستثمار رقم 22-18، الذي صدر منتصف عام 2022، وتفعيله عبر مراسيم تنفيذية دقيقة خلال عامي 2023 و2024. وقد تم في هذا السياق إلغاء القيود الشهيرة التي كانت تحد من مشاركة المستثمر الأجنبي، لا سيما قاعدة 49/51 التي كانت تفرض شراكة جزائرية بنسبة الأغلبية في معظم القطاعات.

بموجب الإطار الجديد، أصبح بإمكان المستثمر الأجنبي تملّك نسبة تصل إلى 100% من رأسمال المشروع، باستثناء بعض القطاعات الحساسة مثل الصناعات الدفاعية أو الطاقة الاستراتيجية، والتي ما تزال تخضع لرقابة الدولة. هذا التعديل القانوني فتح المجال أمام الشركات العالمية للاستثمار بحرية أكبر، مع ضمان حقوقها القانونية

والضريبية.

ضمانات وتسهيلات غير مسبوقة

تشمل القوانين الجديدة مجموعة من الحوافز الملموسة التي تشمل:

إعفاءات ضريبية تمتد لعدة سنوات بحسب طبيعة المشروع والمنطقة الجغرافية؛

تسهيلات جمركية لاستيراد الآلات والتجهيزات اللازمة؛

حق تحويل الأرباح بحرية إلى الخارج دون قيود، بما يتوافق مع التزامات الجزائر تجاه المؤسسات المالية الدولية؛

آليات طعن وتحكيم دولي لضمان معالجة النزاعات التجارية بشكل عادل وسريع.

كما أن الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار (AAPI) أصبحت تتمتع بدور محوري في مرافقة المستثمرين وتوجيههم، من خلال إنشاء شبابيك موحدة على المستوى المركزي والمحلي، لتقليص المدة الزمنية المطلوبة لتأسيس الشركات والحصول على التراخيص اللازمة.

قطاعات ذات أولوية في خريطة الاستثمار

حددت الحكومة الجزائرية مجموعة من القطاعات الاستراتيجية التي تعتبر ذات أولوية في جذب الاستثمار الأجنبي، وتشمل:

الطاقات المتجددة: في إطار الانتقال الطاقوي وتقليل الاعتماد على النفط والغاز، حيث تقدم الجزائر فرصًا واسعة لمشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

الصناعة التحويلية: خاصة الصناعات الغذائية، الأدوية، والكيماويات، وذلك لتقليل الاستيراد وتطوير سلسلة القيم المحلية.

التكنولوجيا والرقمنة: لتحديث الإدارة والخدمات وتحقيق التنمية المستدامة في

عصر الاقتصاد الرقمي.

الزراعة والصناعات الفلاحية: للاستفادة من الإمكانيات الطبيعية الهائلة وتحقيق الأمن الغذائي.

السياحة: حيث تسعى الدولة لإحياء الوجهات السياحية المحلية وتحديث البنية التحتية المرتبطة بها.

النتائج الأولية والمؤشرات المشجعة

منذ تطبيق التعديلات القانونية، سجلت الجزائر ارتفاعًا ملحوظًا في عدد ملفات الاستثمار الأجنبي، خصوصًا من بلدان مثل تركيا، الصين، الإمارات، وروسيا. وقد وقّعت البلاد خلال الأشهر الأخيرة على عدد من الاتفاقيات مع مؤسسات صناعية وتقنية عالمية لإنشاء مشاريع في قطاعات متعددة، تتراوح بين الإنتاج الصناعي والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة.

تُظهر تقارير الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار أن حجم التعهدات الاستثمارية الأجنبية تضاعف في العام 2024 مقارنة بالسنوات السابقة، مع اهتمام متزايد بالمناطق الجنوبية التي باتت تستفيد من حوافز إضافية.

تحديات قائمة رغم التقدم

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال الجزائر تواجه عددًا من التحديات التي تتطلب معالجة مستمرة، مثل:

البيروقراطية الإدارية التي لم تُستأصل بالكامل، رغم التحسينات.

نقص البنية التحتية في بعض المناطق، خصوصًا في مجالات النقل واللوجستيات.

تذبذب التشريعات الضريبية والمالية في بعض الأحيان، ما قد يثير قلق المستثمرين على المدى الطويل.

الحاجة إلى إصلاح النظام البنكي لجعله أكثر مرونة في التعامل مع العمليات الدولية.

قراءات دولية ومحلية للإصلاحات

اعتبر صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أن الخطوات الجزائرية الأخيرة "مبشّرة"، ودعوا إلى مزيد من الشفافية في تطبيق القوانين وتقديم تقارير دورية حول تطور بيئة الأعمال. كما أثنت مؤسسات تصنيف دولي مثل "فيتش" و"موديز" على التوجهات الإصلاحية الجديدة، معتبرة أن التحول من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي هو خيار ضروري لضمان الاستقرار المالي والاجتماعي على المدى الطويل.

محليًا، عبّر العديد من الخبراء والمحللين الاقتصاديين عن ارتياحهم لما وصفوه بـ"التحول البنيوي" في سياسات الدولة تجاه الاستثمار، لكنهم دعوا في الوقت ذاته إلى مواصلة العمل على تعزيز دولة القانون، والحد من الفساد، وتوفير إطار تنافسي عادل بين المستثمرين المحليين والأجانب.

آفاق مستقبلية واعدة

إذا استمرت الجزائر في تنفيذ إصلاحاتها بالوتيرة الحالية، فمن المرجح أن تتحول إلى أحد أبرز الوجهات الاستثمارية في شمال إفريقيا خلال السنوات القادمة، خاصة مع توفر الموارد الطبيعية، اليد العاملة المؤهلة، والموقع الجغرافي الاستراتيجي الذي يربط بين أوروبا وإفريقيا.

كما يُتوقع أن تساهم هذه الإصلاحات في تحسين ترتيب الجزائر في تقارير ممارسة أنشطة الأعمال العالمية، مما يعزز

ثقة المستثمرين الدوليين والمؤسسات المالية في استقرار البلاد وجدّيتها في تحقيق التحول الاقتصادي المنشود.

تم نسخ الرابط