صندوق النقد يتوقع نموًا معتدلًا للاقتصاد العربي.

لمحة نيوز

صندوق النقد الدولي: نمو معتدل للاقتصاد العربي وسط تحديات متزايدة
في أحدث تقاريره، رجّح صندوق النقد الدولي (IMF) أن يسجّل الاقتصاد العربي نموًا "معتدلًا" خلال عامي 2025 و2026، في ظل مزيج معقد من العوامل المتباينة، أبرزها تعافي أسعار النفط، وتباطؤ النمو العالمي، وتوترات جيوسياسية إقليمية، إلى جانب تداعيات التغير المناخي وتشديد السياسات النقدية عالميًا.

نظرة عامة على التوقعات
بحسب الصندوق، من المتوقع أن يبلغ معدل النمو في الدول العربية حوالي 2.8% في 2025، مع تحسن طفيف في 2026 ليصل إلى 3.3%. هذه الأرقام تعكس تحسنًا مقارنة بعام 2024، لكنها تظل دون الطموحات المأمولة، خاصة في ظل الفوائض المالية التي تحققتها بعض الدول النفطية خلال السنوات الأخيرة.

الدول المصدرة للنفط: التحدي بين الإنفاق والاستدامة
الدول الخليجية، وعلى رأسها السعودية، الإمارات، وقطر، لا تزال تشكل العمود الفقري للاقتصاد العربي من حيث الناتج المحلي الإجمالي. ويشير التقرير إلى أن هذه الدول ستواصل الاستفادة من الاستثمارات الضخمة في القطاعات غير النفطية، مثل السياحة، والطاقة المتجددة، والبنية التحتية، في إطار رؤى

طموحة مثل رؤية السعودية 2030.

لكن الصندوق يُحذر من أن الاعتماد الجزئي على إيرادات النفط لا يزال قائمًا، وأن أية تقلبات في الأسواق العالمية قد تؤثر على الخطط التنموية. كما دعا إلى الحذر في سياسات الإنفاق العام، وتفادي تراكم الديون في ظل ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا.

الدول المستوردة للنفط: بين المطرقة وسندان الإصلاح
أما الدول العربية غير النفطية مثل مصر، الأردن، تونس، والمغرب، فتواجه وضعًا أكثر تعقيدًا. إذ تعاني من ارتفاع تكلفة الواردات، وتراجع قيمة العملات المحلية، وزيادة أعباء الديون الخارجية.

يشير صندوق النقد إلى أن هذه الدول تحتاج إلى تسريع وتيرة الإصلاحات الهيكلية، بما يشمل تحسين بيئة الأعمال، وتوسيع قاعدة الضرائب، ورفع كفاءة الدعم الحكومي. لكنه يعترف في الوقت ذاته بأن الإصلاحات الاقتصادية في هذه الدول تسير وسط بيئة اجتماعية مشحونة وضغوط معيشية متزايدة على المواطنين.

التضخم.. العدو المشترك
التضخم لا يزال العنوان الأبرز في معظم الدول العربية، خاصة تلك التي تعتمد على استيراد السلع الأساسية. في بعض الدول، تجاوز التضخم نسبة 30% خلال السنوات الماضية، ما أضعف القوة الشرائية

للمواطن وزاد من معدلات الفقر.

يشير الصندوق إلى أن السياسات النقدية المتشددة (مثل رفع أسعار الفائدة) نجحت جزئيًا في كبح التضخم، لكنها في المقابل أثرت سلبًا على معدلات النمو والاستثمار، ورفعت من كلفة تمويل الدين العام.

الشباب والبطالة: القنبلة الموقوتة
من النقاط التي يركز عليها التقرير أيضًا أن نسبة الشباب في العالم العربي تتجاوز 60% من السكان، ومع ذلك فإن معدلات البطالة بينهم تبقى من بين الأعلى في العالم، خصوصًا في صفوف النساء.

صندوق النقد يوصي بضرورة ربط التعليم بسوق العمل، وتشجيع ريادة الأعمال، ودعم القطاعات التي تولد وظائف مثل التكنولوجيا، والزراعة الحديثة، والاقتصاد الرقمي. لكن التحدي الحقيقي، كما يشير التقرير، هو وجود بيروقراطية ثقيلة، ونقص في الشفافية، وضعف في الحوكمة.

التحول الأخضر: فرصة اقتصادية غير مستغلة بالكامل
رغم أن العالم يتجه نحو تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، يرى صندوق النقد أن الدول العربية تمتلك فرصة ذهبية لتكون في طليعة التحول نحو الاقتصاد الأخضر، خاصة لما تملكه من إمكانات هائلة في الطاقة الشمسية والرياح.

ومع ذلك، فإن معظم الدول لم تضع بعد استراتيجيات

واضحة وطويلة الأمد للتحول المناخي، ولا تزال السياسات البيئية تعتمد على مشروعات متفرقة، بدلاً من برامج هيكلية مستدامة.

التحديات الجيوسياسية: شبح دائم
لا يمكن الحديث عن مستقبل الاقتصاد العربي دون التطرق إلى التحديات السياسية والأمنية. من الحرب في غزة إلى الأزمة في السودان، مرورًا بعدم الاستقرار في اليمن، وسوريا، ولبنان، تظل المنطقة عرضة لصدمات مفاجئة تؤثر سلبًا على الثقة الاستثمارية وعلى حركة التجارة والسياحة.

صندوق النقد يشدد على أهمية الاستقرار الإقليمي كشرط ضروري للنمو، ويشجع على التعاون العربي الاقتصادي كوسيلة لتقليل التأثر بالعوامل الخارجية.

كلمة أخيرة: فرصة مشروطة
الاقتصاد العربي يقف اليوم على مفترق طرق. هناك فرص حقيقية للنمو والتنويع والاستدامة، خصوصًا في ظل الإمكانات البشرية والمالية الموجودة. لكن هذه الفرص ستظل رهينة للإرادة السياسية، والاستقرار، والقدرة على اتخاذ قرارات جريئة ومؤلمة في بعض الأحيان.

إذا أرادت الدول العربية أن تنتقل من "النمو المعتدل" إلى "النمو القوي والمستدام"، فعليها أن تضع مصالح شعوبها أولًا، وأن تبني مؤسسات فعالة، وأن تسير على خطى اقتصاد

المعرفة، لا فقط اقتصاد الموارد.

تم نسخ الرابط