البحرين تسجل استقرارًا في مؤشرها العام

لمحة نيوز

البحرين: نموذج الاستقرار في بحر التقلبات العالمية (مقال أصلي)
على خلفية عالمية تطبعها التحديات الاقتصادية المتلاحقة والاضطرابات الجيوسياسية، تبرز مملكة البحرين كواحة ملحوظة للاستقرار، وهو ما انعكس بوضوح في ثبات وتحسن مؤشراتها العامة مؤخراً. هذا الثبات ليس محض صدفة، بل هو ثمرة سياسات هادفة وتوجه استراتيجي يستحق التحليل بعيداً عن الصيغ التقليدية.

أسس متينة تتجاوز الثروة النفطية:

بخلاف الاعتقاد الشائع، لا يعتمد استقرار البحرين فقط على عوائد الطاقة. صحيح أن النفط والغاز يشكلان رافداً مهماً، إلا أن المملكة كانت سبّاقة في تبني استراتيجية تنويع اقتصادي طموحة:

المركز المالي الإقليمي: استثمرت البحرين بعمق في بناء قطاع مالي متين ومنظم، جذب مؤسسات عالمية وإقليمية. تطبيق معايير الرقابة الصارمة وحوكمة قوية عزز الثقة وجعل المنامة وجهة جاذبة للاستثمارات المتنوعة.

التحول الرقمي والابتكار: تبني البحرين لـ "الرؤية الاقتصادية 2030" وضع الابتكار والتقنية في الصدارة. مشاريع مثل "مدينة البحرين الرقمية" وتبني الحلول الذكية في الحكومة والقطاع الخاص تعكس سعياً حثيثاً لبناء اقتصاد المعرفة، مما يخلق

فرصاً جديدة ويقلل الاعتماد على القطاعات التقليدية.

البنية التحتية اللوجستية: موقع البحرين الاستراتيجي، مقترناً باستثمارات ضخمة في الموانئ (ميناء خليفة بن سلمان) والمطارات (مطار البحرين الدولي) والطرق الحديثة، جعلها مركزاً لوجستياً حيوياً للتجارة والخدمات في الخليج، محفزاً للنمو في قطاعات متعددة.

البيئة التشريعية الجاذبة: عملت البحرين على تطوير بيئة أعمال تنافسية من خلال قوانين مرنة تشجع ريادة الأعمال والاستثمار الأجنبي المباشر، مع حماية حقوق المستثمرين. إصلاحات سوق العمل تهدف أيضاً إلى توطين الوظائف ورفع الإنتاجية.

مؤشرات الاستقرار: أكثر من مجرد أرقام:

استقرار المؤشر العام للبحرين (الذي يجمع غالباً بين المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية) يتجلى في عدة مظاهر:

الاستقرار المالي والنقدي: الحفاظ على استقرار العملة الوطنية (الدينار البحريني) المرتبط بالدولار، والسيطرة على معدلات التضخم نسبياً رغم الضغوط العالمية، يعكس متانة السياسات النقدية والمالية. تحقيق فائض في الموازنة العامة مؤخراً بعد سنوات من العجز دليل على فعالية إجراءات الضبط المالي.

الاستقرار الاجتماعي: يعكس المؤشر

العام غالباً حالة التماسك المجتمعي. جهود البحرين في تعزيز الحوار الوطني والحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي، مع استمرار برامج الدعم الاجتماعي والاستثمار في الصحة والتعليم، تسهم بشكل مباشر في هذا الجانب. مؤشرات التنمية البشرية تشهد تحسناً مطرداً.

الاستقرار السياسي: تعتبر البحرين دولة ذات نظام سياسي واضح ومستقر، مما يوفر بيئة يمكن التنبؤ بها للمستثمرين والشركاء الدوليين. هذا الاستقرار هو حجر الزاوية في جاذبية المملكة على المدى الطويل.

مرونة الاقتصاد: قدرة الاقتصاد البحريني على امتصاص الصدمات الخارجية، مثل تقلبات أسعار النفط أو تداعيات الجائحة، دون انزلاقات حادة، تدل على مرونة متزايدة بفضل التنويع، وهو ما يسجل إيجاباً في أي مؤشر عام شامل.

التحديات ومسار المستقبل:

لا يعني الاستقرار غياب التحديات. تواجه البحرين ضغوطاً تنافسية إقليمية شرسة، وضرورة مواصلة تسريع وتيرة التنويع الاقتصادي لتقليل الاعتماد على النفط بشكل حاسم، ومواكبة متطلبات سوق العمل المتطورة، والحفاظ على التوازنات المالية في ظل التزامات الدعم والاستثمار في التنمية. كما أن التقلبات العالمية تظل عاملاً خارجياً مؤثراً.

الاستقرار

كاختيار استراتيجي:

استقرار المؤشر العام للبحرين ليس حالة سكون، بل هو نتاج ديناميكية مدروسة. إنه يعكس:

الرؤية طويلة المدى: التزام القيادة بتنفيذ "الرؤية الاقتصادية 2030" كخارطة طريق واضحة.

المرونة والتكيف: قدرة صناع السياسات على تعديل المسار عند الحاجة لمواجهة المتغيرات.

الاستثمار في الإنسان والبنى التحتية غير الملموسة: التركيز على التعليم والرقمنة والبيئة التشريعية.

الانفتاح الواعي: الموازنة بين الاندماج في الاقتصاد العالمي والحفاظ على المصلحة الوطنية والاستقرار الداخلي.

الخاتمة:

بحرين اليوم تقدم درساً في كيفية بناء وصيانة الاستقرار الشامل في بيئة إقليمية وعالمية مضطربة. هذا الاستقرار، كما تظهر مؤشراتها العامة، ليس هبة جغرافية أو ثروة طبيعية فحسب، بل هو إرادة سياسية مجسدة في سياسات اقتصادية رشيدة، واستثمار استراتيجي في المستقبل، ونسيج اجتماعي متماسك. بينما تستمر التحديات، فإن الأسس التي وضعتها البحرين، والمرونة التي أظهرتها، تشير إلى أن مسار الاستقرار هذا ليس طارئاً، بل هو توجه جوهري يضع المملكة في موقع قوي لمواصلة نموها وازدهارها في السنوات القادمة، مما يضمن بقاء مؤشراتها العامة

شاهداً على نجاح نموذجها التنموي الفريد.

 

تم نسخ الرابط