سلطنة عمان: مشاريع جديدة لتنويع مصادر الدخل القومي

لمحة نيوز

في ظل التحديات المستمرة التي تواجه الاقتصادات المعتمدة بشكل رئيسي على النفط والغاز، تتبنّى سلطنة عُمان استراتيجيات واضحة لتنويع مصادر الدخل القومي عبر مشروعات واستثمارات متنوعة تستهدف رفع قدرات القطاعات غير النفطية وتعزيز مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي. تأتي هذه الجهود متسقة مع رؤية “عُمان 2040” التي تهدف إلى بناء اقتصاد مرن ومستدام قائم على المعرفة والابتكار. وقد أطلقت الحكومة عدداً من المبادرات والبرامج الوطنية التي تركز على تطوير القطاعات التعدينية والطاقة المتجددة والتقنية والسياحة والخدمات اللوجستية، مع تعزيز الروابط بين هذه القطاعات لضمان القيمة المضافة والقدرة التنافسية على الصعيدين الإقليمي والدولي.

في قطاع التعدين، تزخر عُمان بموارد معدنية غنية، وقد أطلقت مؤخراً دراسات جدوى لمشروعات كبرى مثل استغلال خام الدولومايت الذي يُتوقع أن يصل إنتاجه إلى نحو 3 ملايين طن سنوياً، بهدف إنتاج المغنيسيوم وصناعة الحديد من الركام منخفض الدرجة بعد إثبات الجدوى الاقتصادية للمشروع، والذي يهدف إلى الانتهاء من تنفيذه خلال عام 2026. كما يُعدُّ مشروع غيزين لاستخراج وتكثيف خام النحاس أول تجربة تعدين نحاس تحت الأرض في السلطنة،

مع خطط لاستخراج حوالي مليون طن سنوياً وتركيزها لإنتاج نحو 20 ألف طن من النحاس المركز سنوياً، ما يضيف قيمة مضافة كبيرة للصادرات العُمانية ويخلق فرص عمل متخصصة في هذا القطاع الحيوي.

وفيما يتعلق بالطاقة المتجددة، تستثمر عمان بكثافة في مشاريع الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية والرياح. فقد شهدت الفترة الأخيرة توقيع اتفاقيات متعددة لتطوير مشروعات ضخمة لإنتاج الهيدروجين الأخضر، إذ أبرمت شركة عمان للهيدروجين اتفاقيات استثمارية تقدر بعشرات مليارات الدولارات مع مستثمرين دوليين، بهدف إنتاج مئات الآلاف من الأطنان سنوياً بحلول 2030، وما يقارب ثمانية ملايين طن سنوياً بحلول 2050. كما تستمر المشاريع الشمسية مثل مشروعَي “منه I” و“منه II” اللذين بدأ بناؤهما في سبتمبر 2023 بقدرة 500 ميجاوات لكل منهما، وتمتد الجهود لتشمل مشروعات ربطية في مركز عمان للطاقة الخضراء بطاقة مستهدفة تصل إلى 25 جيجاوات من الطاقة الشمسية والرياح، ما يدعم إنتاج الهيدروجين الأخضر ويُعزز أمن الطاقة والتنمية المستدامة.

في الجانب التقني والتحول الرقمي، أطلقت وزارة تقنية المعلومات والاتصالات خلال 2024 البرنامج الوطني للذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتقدمة، مع

استثمارات عامة وخاصة بلغت نحو 60 مليون ريال عماني وحتى توقيع اتفاقيات لإنشاء مركز الثورة الصناعية الرابعة بالتعاون مع المنتدى الاقتصادي العالمي، وإطلاق نموذج لغوي عُماني وتشغيل منصات البيانات المفتوحة ومختبرات لتحسين الخدمات الحكومية الرقمية التي وصل عدد المعاملات الرقمية إلى نحو 27 مليون معاملة بحلول نهاية 2024، مع نسبة نضج في التحول الرقمي الحكومي تجاوزت 80٪، ما يعكس التوجه نحو الاقتصاد الرقمي كرافد رئيسي للتنمية وتنويع مصادر الدخل.

بالإضافة إلى ذلك، تنشط عُمان في قطاع الفضاء عبر مشروع منصّة “إطلاق” (Etlaq Spaceport) بالقرب من المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، والذي يستهدف دعم عمليات الإطلاق التجارية للأقمار الصناعية والبعثات البحثية بحلول عام 2030، بالتعاون مع الشركة الوطنية للخدمات الفضائية، مما يفتح آفاقاً للابتكار والشراكات الدولية في قطاع الفضاء الناشئ. كما تستمر الاستثمارات في البنية التحتية اللوجستية ومنطقة الدقم الاقتصادية التي شهدت استثمارات تجاوزت 6 مليار ريال عماني حتى الربع الثالث من 2024، إلى جانب مشروع مصفاة الدقم بتكلفة تزيد عن 8 مليارات دولار وقدرة إنتاجية تصل إلى 230 ألف برميل يومياً، ما يعزز مكانة

السلطنة كمركز لوجستي وتكرير وإعادة تصدير النفط والمنتجات البترولية في المنطقة.

من جانب السياحة، تُعد الاستثمارات في البنى التحتية السياحية والمشروعات الترفيهية جزءاً من الجهود لتنويع الدخل، من خلال تطوير وجهات جبلية وساحلية وتراثية تستقطب السياح الإقليميين والدوليين، مع التركيز على الاستدامة وحماية البيئة والتراث الثقافي. كذلك يُعطى الاهتمام لقطاع الثروة السمكية والأنشطة المرتبطة بها عبر استثمار مشاريع الكربون الأزرق وإنشاء بحيرات صناعية لزراعة المانغروف، مما يساهم في الأمن الغذائي ويوفر فرص عمل جديدة ويعزز التنوع الاقتصادي.

ختاماً، تُظهر المشاريع الجديدة في سلطنة عُمان تناغماً بينها وبين الأهداف الاستراتيجية لرؤية “عُمان 2040” التي تركز على بناء اقتصاد متنوع ومستدام يعتمد على الابتكار والمعرفة. ومن المتوقع أن تسهم هذه المشروعات في تحقيق نمو مطرد في مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي، من خلال تنمية القطاعات التعدينية والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والسياحة والخدمات اللوجستية والفضاء والثروة السمكية، مما يعزز من مرونة الاقتصاد العُماني وقدرته على مواجهة التقلبات الخارجية وضمان استدامة النمو والرفاه

للمواطنين.

تم نسخ الرابط