تونس تعلن عن مشروع مدينة الثقافة بتكلفة 1.2 مليار دولار

لمحة نيوز

تونس تعيد إطلاق مشروع مدينة الثقافة بتكلفة 1.2 مليار دولار: استراتيجية وطنية للنهوض بالصناعات الإبداعية

أعلنت الحكومة التونسية عن استئناف العمل في مشروع مدينة الثقافة في العاصمة تونس، وذلك بتكلفة ضخمة تُقدّر بنحو 1.2 مليار دولار. تأتي هذه الخطوة ضمن خطة استراتيجية وطنية تهدف إلى تعزيز البنية التحتية الثقافية، وتحفيز الصناعات الإبداعية، واستعادة مكانة البلاد كمركز فكري وفني بارز في منطقة شمال إفريقيا.

خلفية المشروع وتاريخه

فكرة مدينة الثقافة ليست وليدة اليوم، إذ بدأت ملامحها في التكوّن منذ أكثر من عقد. كانت الخطة الأصلية تهدف إلى تأسيس مجمّع ثقافي متكامل يحتضن المسارح، قاعات العرض، مراكز التدريب، والمعارض. غير أن المشروع تعثر لسنوات طويلة بسبب التحديات السياسية والمالية، فضلًا عن غياب الرؤية الموحدة بين الجهات الرسمية المختلفة. ومع تغيّر المعطيات السياسية والاقتصادية، أصبح من الضروري إعادة تقييم المشروع، ووضع خطة جديدة تنقله من حالة الجمود إلى التنفيذ الفعلي.

رؤية 2025: مشروع متعدد الأبعاد

أكّدت رئاسة الحكومة أن إعادة إطلاق مشروع مدينة الثقافة لا يهدف فقط إلى تشييد مبانٍ ثقافية، بل يسعى إلى خلق

منظومة متكاملة للإبداع، تُسهم في التنمية الاقتصادية، وتدعم الهوية الوطنية، وتفتح آفاقًا جديدة للشباب والمجتمع المدني. ويتضمن المشروع إنشاء بنى تحتية حديثة تضم مسارح متعددة الاستخدام، متاحف تفاعلية، قاعات عرض، مراكز للإنتاج الإعلامي، وأكاديميات للفنون. كما سيتم تخصيص مساحات للعروض الخارجية والمهرجانات، إلى جانب وحدات مخصصة للتدريب والتعليم الفني.

أبعاد اقتصادية واجتماعية واضحة

إلى جانب الدور الثقافي المحوري، يحمل المشروع أبعادًا اقتصادية واجتماعية واضحة. فمن جهة، يُتوقع أن يُوفر آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة في مجالات البناء، الإدارة، الفنون، والتعليم. ومن جهة أخرى، من المنتظر أن يساهم المشروع في جذب استثمارات محلية وأجنبية في قطاع الثقافة والسياحة الإبداعية.

كما تعوّل الحكومة على أن يصبح هذا المشروع حاضنة للإبداع التونسي في مختلف أشكاله، وأن يلعب دورًا فعالًا في إعادة دمج فئات واسعة من الشباب في الحياة العامة، من خلال توفير منصات للتعبير والمشاركة والتدريب. ولتعزيز الأثر المحلي، ستشمل الخطة برامج موجهة للمناطق الداخلية، عبر تنظيم ورش عمل متنقلة، ودورات تدريبية متخصصة.

التمويل والشراكات

تمويل

المشروع سيتم عبر آلية متعددة المصادر تشمل الموازنة العامة للدولة، قروض تنموية، واستثمارات من القطاع الخاص. وتسعى الحكومة أيضًا إلى تفعيل شراكات دولية مع منظمات ثقافية عالمية، ومؤسسات تمويل تُعنى بالتنمية المستدامة والمشاريع الثقافية. ويُنتظر أن تُسهم هذه الشراكات في تحسين جودة التنفيذ، وضمان استمرارية البرامج بعد انتهاء مرحلة البناء.

كما يتضمن المشروع استراتيجية تشغيل جديدة تعتمد على الحوكمة الرشيدة، والرقمنة، وتحقيق عائدات مستدامة من خلال تذاكر الفعاليات، الإيجارات، والرعاية التجارية. وقد تم تكليف لجنة فنية لمتابعة مراحل التنفيذ وضمان الشفافية المالية والإدارية.

التحديات المحتملة

رغم الطموحات الكبيرة، إلا أن المشروع يواجه عددًا من التحديات المحتملة، أبرزها:

  • استدامة التمويل: إذ إن الاعتماد المفرط على التمويل العام قد يضع المشروع في مهب الريح إذا تغيّرت أولويات الميزانية الوطنية.
  • الموارد البشرية المؤهلة: هناك حاجة إلى كوادر فنية وإدارية قادرة على تشغيل المدينة وفق أعلى المعايير الدولية.
  • جذب الجمهور: بعد سنوات من التوقف، يتطلب الأمر جهودًا كبيرة لإعادة بناء الثقة مع الجمهور وتقديم محتوى ثقافي
    نوعي.
  • حماية الاستقلالية الإبداعية: ينبغي ضمان حرية الفكر والفن وعدم تسييس برامج المدينة أو إخضاعها للرقابة المفرطة.

التأثير الإقليمي والدولي

إذا نُفذ المشروع كما هو مخطط له، فإن مدينة الثقافة ستُشكل نقطة تحول في المشهد الثقافي التونسي والعربي، وقد تتحول إلى منصة دولية لعقد المؤتمرات والمعارض والمهرجانات الكبرى. كما أن وجود بنية تحتية على هذا المستوى سيسمح بإنتاج مشروعات فنية عالمية، وجذب شركات إنتاج سينمائي وموسيقي مهتمة بالتصوير في مواقع متطورة ومجهزة تقنيًا.

رسالة حضارية للمستقبل

إن مشروع مدينة الثقافة ليس مجرد إنجاز عمراني، بل هو رسالة حضارية تعبّر عن إيمان الدولة التونسية بأهمية الثقافة كأداة للبناء المجتمعي وتعزيز الهوية الوطنية. وهو أيضًا دعوة إلى الاستثمار في الإنسان، والابتكار، والخيال، في عالم باتت فيه الثقافة من أبرز أدوات القوة الناعمة.

الخاتمة

يمثّل استئناف مشروع مدينة الثقافة بتونس خطوة استراتيجية جريئة وطموحة تسعى إلى ترسيخ دور الثقافة في التنمية الشاملة. ومع أن التحديات كبيرة، إلا أن الالتزام السياسي، والشراكات الذكية، والمشاركة المجتمعية الواعية، يمكن أن تحوّل هذا المشروع من

حلم مؤجل إلى قصة نجاح وطنية تفتخر بها الأجيال القادمة.

تم نسخ الرابط