صندوق أبوظبي السيادي يستحوذ على حصص في شركات أوروبية

لمحة نيوز

صندوق أبوظبي السيادي يستحوذ على حصص في شركات أوروبية

من الخليج إلى القارة: خريطة استثمارات أبوظبي في أوروبا

تشهد الاستثمارات السيادية في دولة الإمارات العربية المتحدة تطورًا غير مسبوق، إذ باتت أبوظبي عبر أذرعها المالية الفاعلة، لاعبًا رئيسًا في إعادة تشكيل مشهد الاستثمار العالمي. امتدت هذه الأذرع، ممثلة في "جهاز أبوظبي للاستثمار" (ADIA)، و"مبادلة"، و"القابضة" (ADQ)، نحو أوروبا خلال السنوات الأخيرة بوتيرة تصاعدية، مستهدفة قطاعات حيوية مثل التكنولوجيا والطاقة والخدمات المالية، لتعزز مكانتها كمحرك اقتصادي عالمي.

أهداف استراتيجية أم نفوذ جيو-اقتصادي؟

لا تقتصر هذه التحركات على أهداف تجارية بحتة، بل تحمل طابعًا استراتيجيًا يعكس رؤية الإمارات للتحول إلى اقتصاد متنوع ومستدام. تنظر أبوظبي إلى أوروبا باعتبارها بيئة آمنة ومستقرة للاستثمار، ومسرحًا مثاليًا لتوسيع نفوذها الاقتصادي وتعزيز علاقاتها السياسية والدبلوماسية عبر أدوات مالية مدروسة. وبالتالي، يمكن وصف هذه الاستثمارات بأنها أداة مزدوجة تجمع بين الربحية والنفوذ الجيوسياسي.

حضور
إماراتي في قلب المال الأوروبي

من أبرز تجليات هذا التوسع، دخول جهاز أبوظبي للاستثمار ضمن تحالف استثماري للاستحواذ على شركة "هارغريفز لانسداون"، إحدى أبرز شركات إدارة الثروات في المملكة المتحدة. بلغت قيمة الصفقة نحو 5.4 مليارات جنيه إسترليني (قرابة 6.9 مليارات دولار)، فيما بلغت حصة الصندوق الإماراتي حوالي 1.24 مليار دولار. هذه الصفقة لم تكن استثمارًا عابرًا، بل خطوة استراتيجية نحو تعزيز الوجود الإماراتي في أسواق المال الأوروبية الكبرى، مثل لندن وزيوريخ وفرانكفورت.

الطاقة النظيفة والتكنولوجيا: مستقبل الصفقات السيادية

تسعى أبوظبي كذلك للعب دور محوري في تحول أوروبا نحو الاقتصاد الأخضر. تجلى ذلك في استحواذ شركة "مصدر" الإماراتية، المختصة بالطاقة المتجددة، على شركة "سايتا ييلد" الإسبانية بقيمة تصل إلى 1.4 مليار دولار. هذا الاستثمار يعكس رغبة استراتيجية في التغلغل في سوق الطاقة النظيفة الأوروبية المتنامي، ويمنح الإمارات موقعًا مؤثرًا في النقاش العالمي حول الاستدامة والابتكار البيئي، مدعومًا بموارد مالية ضخمة ورؤية مستقبلية واضحة.

من
لندن إلى مدريد: صفقات غيرت قواعد اللعبة

لا تقتصر الصفقات الإماراتية على المملكة المتحدة وإسبانيا فحسب، بل تمتد إلى دول أوروبية أخرى مثل ألمانيا، فرنسا، وإيطاليا. وتُظهر هذه العمليات توزيعًا متوازنًا يستهدف تنويع المحفظة الاستثمارية، وتخفيف المخاطر الاقتصادية، مع انتقاء الفرص عالية النمو وذات العوائد المستقرة. ما يجعل هذه الصفقات "مغيرة لقواعد اللعبة" ليس فقط حجمها، بل قدرتها على إعادة تشكيل خارطة أصحاب القرار في المؤسسات الأوروبية الكبرى.

أبوظبي تتحدث بلغة الأرقام

تعكس الإحصاءات الأخيرة حجم التمدد المالي لأبوظبي في أوروبا. ففي عام 2024، استحوذت الصناديق السيادية الإماراتية على أكثر من 81.2% من إجمالي قيمة أكبر عشر صفقات استثمارية نفذتها صناديق الثروة السيادية حول العالم. وقد بلغت القيمة الإجمالية للصفقات التي نفذتها صناديق ADIA ومبادلة وADQ مجتمعة نحو 42.04 مليار دولار من أصل 51.7 مليار دولار عالميًا.

الجدير بالذكر أن قاعدة بيانات SWFI صنّفت صفقة استحواذ "القابضة" ADQ على مشروع "رأس الحكمة" في مصر كأكبر صفقة سيادية عالميًا خلال

نفس الفترة، بقيمة تقدر بـ 24 مليار دولار، ما يؤكد الإمكانات التمويلية الهائلة لأبوظبي وقدرتها على التأثير في مختلف الأسواق.

شراكات تتعدى المال: بعدٌ دبلوماسي للاستثمار

وراء كل صفقة، ثمة أبعاد دبلوماسية واستراتيجية تتجاوز الحسابات المالية المباشرة. فحين تستثمر أبوظبي في شركات أوروبية كبرى، فإنها تُنشئ جسورًا للتواصل المستدام مع حكومات، ومؤسسات، وشركات ذات ثقل اقتصادي. هذه العلاقات تعزز موقع الإمارات كفاعل محوري في الملفات السياسية والاقتصادية الدولية، وتمنحها نفوذًا غير مباشر في صنع القرار العالمي، لا سيما في قضايا الاستدامة، والطاقة، والاقتصاد الرقمي.

خاتمة: أبوظبي قوة استثمارية تعيد تشكيل المشهد الأوروبي

في خضم عالم يتغير بوتيرة متسارعة، تثبت أبوظبي أنها ليست مجرد مستثمر عابر، بل قوة مالية استراتيجية تتحرك وفق رؤى مدروسة وأجندة طويلة الأمد. تُظهر استثماراتها في أوروبا نضجًا اقتصاديًا، ووعيًا سياسيًا، وطموحًا يتجاوز الحدود التقليدية للاستثمار. ومع استمرار هذا الزخم، من المتوقع أن تلعب صناديق أبوظبي السيادية دورًا متزايد التأثير

في صياغة مستقبل الاقتصاد الأوروبي، بل والعالمي أيضًا.

تم نسخ الرابط