قماش نباتي بديل للجلد يهيمن على عروض باريس

لمحة نيوز

🌱 باريس تتزين بالنباتات: قماش نباتي بديل للجلد يسرق الأضواء في عالم الموضة
في عاصمة الأناقة والجمال، حيث تتقاطع الموضة بالتاريخ، وتلتقي الفخامة بالإبداع، شهد أسبوع الموضة في باريس لهذا العام لحظة مفصلية: لم يكن العرض كله يدور حول القصّات أو الألوان، بل حول المادة نفسها. الجلد النباتي – نعم، قماش خالٍ من الحيوان، مصنوع من مكونات طبيعية مثل الصبار والفطر والعنب – أصبح البطل الجديد الذي خطف الأضواء في عروض الأزياء، وفرض نفسه على مدارج دور الأزياء الكبرى.

لكن كيف تحوّل هذا البديل، الذي كان يُنظر إليه حتى وقت قريب كخيار تجريبي صديق للبيئة، إلى عنصر أساسي في تصميم الحقائب والأحذية والمعاطف؟ ولماذا يبدو أن عالم الموضة قرر أخيرًا أن يعيد النظر في علاقته بالجلد الحيواني؟

👜 من المختبر إلى المنصة
ما حصل في عروض باريس لم يكن حدثًا معزولًا أو تجربة عابرة. بل بدا وكأننا نشهد بداية مرحلة جديدة تمامًا. مصممون كبار مثل ستيلا مكارتني وغاني قدّموا قطعًا مصنوعة بالكامل من خامات نباتية، بعضها يشبه الجلد بدرجة تكاد تُخدع العين. لكن الفارق الأكبر ليس في الشكل، بل في الرسالة.

في أحد عروض مكارتني، مثلاً، تم تقديم حقيبة مصنوعة من "جلد العنب"، وهي مادة يتم استخراجها من بقايا العنب المستخدم في صناعة النبيذ. قطعة أنيقة، مرنة، بلا رائحة أو أثر لحيوان، ولكنها حملت

على ظهرها رمزية ثقيلة: الموضة لم تعد مضطرة إلى أن تكون على حساب الكوكب أو الحياة.

وفي مكان آخر، عرضت إحدى دور الأزياء الفرنسية معطفًا مصنوعًا من جلد الصبار، بتقنية مكسيكية جديدة تسمى Desserto، يعطي ملمسًا ومرونة تماثل الجلد البقري، لكنه يأتي من نبتة لا تحتاج سوى القليل من الماء لتنمو.

🌿 ما هو الجلد النباتي أصلًا؟
مصطلح "الجلد النباتي" لا يشير إلى نوع واحد من القماش، بل إلى طيف واسع من المواد التي تُنتج باستخدام نباتات أو مخلفات زراعية، وتُشكّل بطريقة تحاكي خصائص الجلد الحيواني.

الأنواع الأشهر حاليًا تشمل:

جلد الأناناس (Piñatex): يُستخرج من ألياف أوراق الأناناس ويُستخدم في صناعة الأحذية والحقائب.

جلد الصبار: يأتي من أوراق نبتة الصبار ويُعرف بمرونته وقابليته للتحلل.

جلد الفطر (Mycelium): يُصنع من جذور الفطر ويتميز بمتانته وقدرته على محاكاة ملمس الجلد الطبيعي.

جلد العنب: يُنتج من بقايا عمليات عصر العنب، ويستخدم بشكل خاص في الحقائب والأحذية.

جلد القهوة أو التفاح: وهي ابتكارات جديدة تعتمد على إعادة تدوير مخلفات المشروبات والفواكه.

ما يميّز هذه المواد هو أنها تُنتج بانبعاثات كربونية أقل بكثير، وتستهلك موارد مائية وطاقية أقل بكثير من تربية الحيوانات.

🌍 لماذا الآن؟
التحول إلى البدائل النباتية لا يأتي من فراغ. فالصناعة تمر بتحولات عميقة،

دفعتها عدة عوامل:

1. الضغط البيئي
قطاع الأزياء يُعد من أكثر القطاعات تلويثًا في العالم. إنتاج الجلد التقليدي يتطلب كميات هائلة من المياه والطاقة، ويطلق غازات دفيئة، ناهيك عن استخدام المواد الكيميائية في عمليات الدباغة. في المقابل، البدائل النباتية – خصوصًا تلك المعتمدة على الفطر أو النفايات الزراعية – تساهم في تقليل الأثر البيئي بشكل كبير.

2. تغير سلوك المستهلكين
الجيل الجديد من المستهلكين، خاصة جيل الألفية و"الجيل زد"، يولي أهمية كبرى للأخلاق والاستدامة. هذه الأجيال لا تشتري المنتج فقط لأنه جميل، بل لأنها تسأل: كيف صُنع؟ من أين جاء؟ هل تسبب في ألم؟ هل كان ضارًا للبيئة؟

3. الابتكار التقني
قبل سنوات، كانت البدائل النباتية تعاني من مشاكل في المتانة أو المظهر. اليوم، ومع تطور تقنيات المعالجة الحيوية، أصبحت هذه المواد تضاهي الجلد الحيواني – بل وتتفوّق عليه أحيانًا من حيث الخفة، التهوية، وسهولة التشكيل.

4. القوانين والتشريعات
في أوروبا وبعض ولايات أمريكا، بدأ سنّ تشريعات تحدّ من استخدام الفراء والجلود الحيوانية، أو تفرض معايير استدامة صارمة على المنتجات. هذا يحفّز الشركات على البحث عن بدائل قانونية ومربحة في الوقت نفسه.

👠 المصممون يقولون كلمتهم
لم تعد البدائل النباتية حكرًا على العلامات "الخضراء". بل بدأت أكبر دور الأزياء في العالم تتبنّاها

كجزء من رؤيتها المستقبلية. تقول ستيلا مكارتني، المعروفة بموقفها الرافض لاستخدام الجلد والفراء منذ بداياتها: "لم يعد من المنطقي أن نؤذي الحيوانات والكوكب، بينما لدينا التكنولوجيا والخيال لصنع ما هو أفضل."

حتى علامات تجارية شهيرة مثل Gucci وHermès بدأت مؤخرًا باختبار استخدام "Mycelium Leather" في بعض التصاميم، ما يشي بتحوّل أوسع قادم في الأفق.

🧩 التحديات لم تنتهِ بعد
رغم الحماس الكبير، هناك بعض العقبات التي ما زالت تعرقل الانتشار الواسع:

السعر: المواد النباتية الجديدة ما زالت مرتفعة التكلفة نسبيًا مقارنة بالجلد الصناعي.

الإنتاج الضخم: من الصعب حتى الآن توفير كميات ضخمة تلبي الطلب العالمي.

المتانة: بعض الأنواع ما زالت بحاجة إلى تحسينات كي تنافس الجلد الحيواني في التحمل الطويل.

الشفافية: ليست كل "المواد النباتية" صديقة للبيئة فعلًا، إذ يحتوي بعضها على نسب من البلاستيك.

✨ المستقبل: الموضة بضمير
المشهد واضح: نحن أمام تحول لا يشبه "موضة موسمية"، بل أقرب إلى إعادة تعريف لفكرة الفخامة نفسها. لم تعد الفخامة مرتبطة فقط بما هو نادر أو مكلف، بل بما هو أخلاقي ومستدام وذكي.

الجلد النباتي لا يهدد فقط جلد الحيوان، بل يعيد النظر في أساسيات التصميم والإنتاج. وربما بعد أعوام قليلة، لن يكون غريبًا أن تُعرض حقيبة مصنوعة من فطر أو أناناس في واجهة بوتيك فاخر

في شارع الشانزليزيه – بل قد يكون ذلك هو المعيار الجديد للفخامة.

تم نسخ الرابط