النحاس يلامس أعلى مستوى بثلاث سنوات بفعل الطلب الصيني

لمحة نيوز

قفزة تاريخية في أسعار النحاس بفعل الاندفاع الصيني: الأسواق العالمية تترقّب

لامس النحاس مؤخرًا أعلى مستوياته خلال ثلاث سنوات، بعدما تجاوز سعر الطن حاجز 10,000 دولار في بورصة لندن للمعادن، في حدث اقتصادي يعكس تحولات جوهرية في توازنات العرض والطلب العالمي. وقد سجّل هذا المعدن الصناعي الأساسي أعلى مستوى له منذ أبريل 2022، مدفوعًا بزيادة واضحة في الطلب الصيني، التي لا تزال تمثل الكفة الأثقل في ميزان استهلاك المعادن عالميًا.

هذه القفزة لم تأتِ بمعزل عن تحولات في البنية الاقتصادية للصين، ولا عن التحديات الجيوسياسية والبيئية التي تواجه قطاع التعدين عالميًا. فهل يشير هذا الارتفاع إلى طفرة دائمة؟ أم أنها ذروة مؤقتة في دورة تقليدية لأسعار السلع الأساسية؟

النحاس في صعود: قراءة في المشهد السعري

شهدت أسعار النحاس زخمًا تصاعديًا مطّردًا منذ بداية العام 2025، حيث رصدت الأسواق العالمية تحسنًا مستمرًا في الأسعار تزامنًا مع مؤشرات على انتعاش صناعي في الدول الكبرى، وعلى رأسها الصين. فقد تجاوز سعر الطن مؤخرًا 10,000 دولار، وهو أعلى مستوى يتم تسجيله منذ ثلاث سنوات تقريبًا.

في الأسواق الصينية، التي تعد أكبر مستهلك للنحاس عالميًا، ارتفعت الأسعار

بنسبة 1.7% لتصل إلى نحو 77,290 يوانًا (ما يعادل 10,599.87 دولارًا أمريكيًا)، وهي أعلى قيمة تُسجل منذ أبريل من هذا العام، بحسب بيانات رسمية من بورصة شنغهاي للعقود الآجلة.

يرى مراقبون أن هذا الصعود لا يمثل مجرد تقلبات لحظية، بل يعكس تحوّلًا هيكليًا تقوده عوامل عدة: على رأسها تسارع الطلب في قطاعات مثل البنية التحتية، الطاقة النظيفة، السيارات الكهربائية، والتصنيع الثقيل، حيث يعد النحاس عنصرًا لا غنى عنه.

 

الصين في قلب الحدث: طلب ضخم وتأثير مضاعف

ليست هذه المرة الأولى التي تتصدر فيها الصين مشهد التأثير في أسواق السلع، لكن الجديد هذه المرة هو حجم التوسع الاقتصادي الذي تقوده سياسات حكومية محفزة. فالصين، التي تمثل أكثر من 50% من استهلاك النحاس العالمي، باتت تستخدمه كوقود لنمو استثماري واسع في مجالات استراتيجية.

تشير التحليلات إلى أن السياسات الصينية الداعمة لمشاريع البنية التحتية الضخمة، إلى جانب حوافز التحول إلى الطاقة المتجددة، أدت إلى قفزة غير مسبوقة في الطلب المحلي على النحاس. ويعني هذا أن السوق العالمية أصبحت أكثر اعتمادًا على المزاج الاقتصادي الصيني، ما يعزز تقلب الأسعار ويقلّص قدرة الأسواق الأخرى على التوازن

السريع.

كما أن الصين تسعى لتعزيز اكتفائها الذاتي من المنتجات الصناعية المعتمدة على النحاس، ما يزيد الطلب على المادة الخام. ويبدو أن هذه الديناميكية ستستمر في دفع الأسعار صعودًا في ظل محدودية المعروض عالميًا.

نقص المعروض: عقدة إنتاج عالمية

في مقابل الاندفاع الصيني نحو الاستيراد، تعاني الصناعة التعدينية من تحديات متزايدة على صعيد الإنتاج. فالعديد من مناجم النحاس حول العالم تواجه مشكلات بيئية وتنظيمية، إضافة إلى نقص الاستثمار طويل الأجل في تطوير المناجم أو استكشاف رواسب جديدة.

ويرى الخبراء أن هذا التراجع في الاستثمارات خلال العقد الماضي ألقى بظلاله على قدرة الإنتاج الحالية، في وقت يتسارع فيه الطلب. وتعاني بعض الدول المنتجة، خصوصًا في أمريكا اللاتينية وإفريقيا، من معوّقات لوجستية وجيوسياسية تحول دون توسيع الطاقة الإنتاجية.

هذا التوازن الهش بين الطلب الصاعد والمعروض الثابت، يُترجم مباشرة في الأسواق بارتفاع الأسعار، وزيادة مخاطر التقلبات المفاجئة على المدى القصير.

آفاق الأسعار: نحو 12 ألف دولار؟

في ظل هذه المعطيات، بدأت مؤسسات مالية واستثمارية كبرى في مراجعة توقعاتها لسعر النحاس خلال الأشهر المقبلة. وتشير بعض التقديرات

إلى إمكانية بلوغ سعر الطن مستوى 12,000 دولار، ما لم تُسارع الشركات التعدينية إلى ضخ استثمارات جديدة لإنشاء مناجم أو توسيع القائمة منها.

ويُعزز هذه التوقعات التوجه العالمي نحو إزالة الكربون من الاقتصاد، وتبنّي حلول الطاقة المتجددة، الأمر الذي يزيد الطلب على النحاس في الصناعات المستقبلية مثل توربينات الرياح، محطات الطاقة الشمسية، وشبكات النقل الكهربائي.

لكن من ناحية أخرى، فإن ارتفاع الأسعار إلى مستويات غير مستدامة قد يدفع إلى تقليص الطلب الصناعي أو اعتماد بدائل، وهو ما يجعل السوق في حالة ترقب دائم لما ستؤول إليه التوازنات.

ختامًا: ما الذي يعنيه هذا الارتفاع؟

إن ارتفاع أسعار النحاس إلى أعلى مستوى خلال ثلاث سنوات لا يعكس فقط موجة مضاربة مؤقتة، بل يؤشر إلى تحوّل طويل الأجل في مشهد الطلب العالمي، تقوده الصين وتغذّيه عوامل إنتاجية معقّدة. ويبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد سباقًا محمومًا بين الاستثمار والتوسّع الصناعي، حيث سيكون النحاس لاعبًا محوريًا في مستقبل الاقتصاد العالمي.

على ضوء هذه التطورات، ينبغي لصنّاع القرار والمستثمرين في قطاع المعادن إعادة تقييم استراتيجياتهم، سواء من حيث تنويع مصادر التوريد أو تسريع مشاريع التعدين،

تحسبًا لموجات قادمة من الطلب المرتفع، وتقلبات السوق، وربما ندرة في المعروض.

تم نسخ الرابط