عُمان تقلّص العجز المالي إثر ارتفاع الضرائب غير النفطية
عُمان تسجّل تراجعًا تاريخيًا في العجز المالي بفضل إصلاحات ضريبية غير نفطية
مدخل إلى التحوّل المالي
في تحوّل لافت يعكس متانة السياسات الاقتصادية المتبعة، تمكّنت سلطنة عُمان من تقليص عجزها المالي بشكل ملموس، مستندة إلى توسع كبير في الإيرادات غير النفطية. يأتي هذا الإنجاز نتيجة حزمة إصلاحات اقتصادية ومالية نُفّذت بعناية، أبرزها تطبيق ضرائب جديدة وتنويع مصادر الدخل، ضمن استراتيجية بعيدة المدى تهدف إلى تحقيق الاستدامة المالية وتقليل الاعتماد على الموارد النفطية المتذبذبة.
العجز المالي: من أزمة مزمنة إلى مسار مستقر
لعدة سنوات، واجهت سلطنة عُمان ضغوطًا مالية ناتجة عن انخفاض أسعار النفط وارتفاع مستويات الإنفاق الحكومي. ففي عام 2020، سجّل العجز المالي نحو 4.4 مليار ريال عماني (ما يعادل 11.5 مليار دولار)، وهو ما شكّل تحديًا كبيرًا للموازنة العامة. وتفاقمت المخاطر مع تجاوز الدين العام نسبة 80% من الناتج المحلي الإجمالي، ما استدعى تدخلاً سريعًا وشاملاً.
استجابت الحكومة العُمانية لهذه التحديات من خلال تفعيل خطط إصلاح اقتصادي ضمن
قفزة في الإيرادات غير النفطية
الركيزة الأساسية في خطة الإصلاح المالي كانت تنمية الإيرادات غير النفطية، وهو ما تحقق عبر خطوات مدروسة أبرزها فرض ضريبة القيمة المضافة التي دخلت حيّز التنفيذ في أبريل 2021 بنسبة 5%، بالإضافة إلى ضرائب دخل على الشركات، وضرائب انتقائية على بعض السلع مثل المشروبات الغازية ومنتجات التبغ، إلى جانب رفع بعض الرسوم الجمركية.
هذه الخطوات لم تكن شكلية، بل أثمرت نتائج ملموسة؛ حيث شهدت الإيرادات غير النفطية ارتفاعًا بنسبة 43% في عام 2023 مقارنة بالعام السابق، وأصبحت تُشكّل أكثر من 35% من إجمالي الإيرادات العامة في ميزانية عام 2024، وهو ما يشير إلى تحوّل جذري في تركيبة مصادر الدخل الحكومية.
من عجز إلى فائض: نتائج ملموسة
بالتوازي مع هذه التحولات، ساهم تحسُّن أسعار النفط في دعم الوضع المالي، لكن ما ميز عام 2023 هو أن الفائض المالي تحقق بشكل أساسي نتيجة نمو الإيرادات غير النفطية. فقد أعلنت وزارة
وتُظهر التوقعات للعام الجاري 2024 مؤشرات إيجابية أيضًا، إذ من المرجّح استمرار هذا الفائض أو على الأقل تحقيق التوازن المالي، بفضل استمرار الإصلاحات وتوسيع القاعدة الضريبية، إلى جانب تحسن بيئة الأعمال وزيادة الثقة في الاقتصاد الوطني.
انعكاسات إيجابية على الاقتصاد والمجتمع
التحسّن المالي لم ينعكس فقط على أرقام الميزانية، بل كان له صدى واسع في التصنيفات الدولية. فقد قامت وكالات التصنيف الائتماني مثل موديز وفيتش برفع تقييمها لسلطنة عُمان، وهو ما يسهم في خفض تكلفة الاقتراض ويعزز من صورة السلطنة في الأسواق المالية العالمية.
محليًا، حرصت الحكومة على أن تترافق هذه الإجراءات الضريبية مع سياسات حماية اجتماعية للشرائح ذات الدخل المحدود، من خلال برامج دعم مباشرة مثل نظام الدعم الوطني، الذي يوفّر تعويضات عن بعض الأعباء الناتجة عن الضريبة ورفع أسعار بعض الخدمات الأساسية، بما يوازن بين أهداف الاستقرار المالي والعدالة الاجتماعية.
الطريق
إلى المستقبل: تحديات وفرص
رغم الإنجازات المحققة، لا تزال هناك تحديات تتطلب انتباهًا مستمرًا، وعلى رأسها المحافظة على التوازن بين ضبط الإنفاق وتحفيز النمو الاقتصادي، لا سيما في ظل الأوضاع الجيوسياسية والاقتصادية العالمية المتقلبة.
ويُعد تنشيط القطاعات غير النفطية كالسياحة والصناعة والقطاع اللوجستي أولوية قصوى في المرحلة القادمة. إذ أن توسعة هذه القطاعات تعني خلق وظائف جديدة، وزيادة في حجم الناتج المحلي، ومرونة أكبر في مواجهة تقلبات أسعار النفط.
خاتمة: نموذج يحتذى في التحوّل المالي
ما حققته سلطنة عُمان خلال السنوات الأخيرة لا يُعدّ مجرد تراجع في أرقام العجز، بل يمثل نموذجًا للتحول الاستراتيجي نحو اقتصاد أكثر توازنًا واستقرارًا. لقد أثبتت التجربة أن الإرادة السياسية، مقرونة بإصلاحات مالية مدروسة، يمكن أن تقود إلى نتائج إيجابية ملموسة، حتى في أكثر الظروف الاقتصادية صعوبة.
ومع مواصلة تنفيذ "رؤية عُمان 2040"، تبدو السلطنة في موقع قوي لتحقيق نمو اقتصادي شامل ومستدام، يُراعي مصالح المواطنين، ويؤسس لمستقبل لا يُقيَّد بموارد تقليدية،